تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
أبعد كان المرئي من نصفه المضئ أكثر ، ثم أنه من وقت الاجتماع إلى وقت الانفصال يكون كل ليلة أبعد من الشمس ، ويرى كل ليلة ضوءه أكثر من وقت الاستقبال إلى وقت الاجتماع ، ويكون كل ليلة أقرب إلى الشمس ، فلا جرم يرى كل ليلة ضوءه أقل ، ولا يزال يقل ويقل : * ( حتى عاد كالعرجون القديم ) * ( يس : 39 ) فهذا ما قاله أصحاب الطبائع والنجوم . وأما الذي يقوله الأصوليون فهو أن القمر جسم ، والأجسام كلها متساوية في الجسمية ، والأشياء المتساوية في تمام الماهية يمتنع اختلافها في اللوازم ، وهذه مقدمة يقينية فإذن حصول الضوء في جرم الشمس والقمر أمر جائز أن يحصل ، وما كان كذلك امتنع رجحان وجوده على عدمه إلا بسبب الفاعل المختار ، وكل ما كان فعلاً لفاعل مختار ، فإن ذلك يكون قادراً على إيجاده وعلى إعدامه ، وعلى هذا التقدير فلا حاجة إلى إسناد هذه الاختلافات الحاصلة في نور القمر إلى قربها وبعدها من الشمس ، بل عندنا أن حصول النور في جرم الشمس إنما كان بسبب إيجاد القادر المختار ، وكذا الذي في جرم القمر . بقي ههنا أن يقال الفاعل المختار لم خصص القمر دون الشمس بهذه الاختلافات ، فنقول لعلماء الإسلام في هذا المقام جوابان أحدهما : أن يقال : إن فاعلية الله تعالى لا يمكن تعليلها بغرض ومصلحة ، ويدل عليه وجوه أحدها : أن من فعل فعلاً لغرض فإن قدر على تحصيل ذلك الغرض بدون تلك الواسطة ، فحينئذ يكون فعل تلك الواسطة عبثاً ، وإن لم يقدر فهو عاجز وثانيها : أن كل من فعل فعلا لغرض ، فإن كان وجود ذلك الغرض أولى له من لا وجوده فهو ناقص بذاته ، مستكمل بغيره ، وإن لم يكن أولى له لم يكن غرضا وثالثها : أنه لو كان فعله معللا بغرض فذلك الغرض إن كان محدثاً افتقر إحداثه إلى غرض آخر ، وإن كان قديما لزم من قدمه قدم الفعل وهو محال ، فلا جرم قالوا : كل شئ صنعه ولا علة لصنعه ، ولا يجوز تعليل أفعاله وأحكامه البتة * ( لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) * ( الأنبياء : 23 ) . والجواب الثاني : قول من قال : لا بد في أفعال الله وأحكامه من رعاية المصالح والحكم ، والقائلون بهذا المذهب سلموا أن العقول البشرية قاصرة في أكثر المواضع عن الوصول إلى أسرار حكم الله تعالى في ملكه وملكوته ، وقد دللنا على أن القوم إنما سألوا عن الحكمة في اختلاف أحوال القمر فالله سبحانه وتعالى ذكر وجوه الحكمة فيه وهو قوله : * ( قل هي مواقيت للناس والحج ) * وذكر هذا المعنى في آية أخرى وهو قوله : * ( وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ) * ( يونس : 5 ) وقال في آية ثالثة * ( فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد
تفسير الرازي — صفحة 134 | فخر الدين الرازي