المسألة الأولى : الصبغ ما يلون به الثياب ويقال : صبغ الثوب يصبغه بفتح الباء وكسرها وضمها ثلاث لغات صبغاً بفتح الصاد وكسرها لغتان . ( والصبغة ) فعلة من صبغ كالجلسة من جلس ، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ ، ثم اختلفوا في المراد بصبغة الله على أقوال . الأول : أنه دين الله وذكروا في أنه لم سمي دين الله بصبغة الله وجوهً . أحدها : أن بعض النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية ويقولون : هو تطهير لهم . وإذا فعل الواحد بولده ذلك قال : الآن صار نصرانياً . فقال الله تعالى : اطلبوا صبغة الله وهي الدين ، والإسلام لا صبغتهم ، والسبب في إطلاق لفظ الصبغة على الدين طريقة المشاكلة كما تقول لمن يغرس الأشجار وأنت تريد أن تأمره بالكرم : اغرس كما يغرس فلان تريد رجلاً مواظباً على الكرم ، ونظيره قوله تعالى : * ( إنما نحن مستهزؤن * الله يستهزئ بهم ) * ( البقرة : 14 ، 15 ) ، * ( يخادعون الله وهو خادعهم ) * ( النساء : 142 ) ، * ( ومكروا ومكر الله ) * ( آل عمران : 54 ) ، * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) ، * ( إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم ) * ( هود : 38 ) . وثانيها : اليهود تصبغ أولادها يهودا والنصارى تصبغ أولادها نصارى بمعنى يلقونهم فيصبغونهم بذلك لما يشربون في قلوبهم ، عن قتادة قال ابن الأنباري : يقال : فلان يصبغ فلاناً في الشيء ، أي يدخله فيه ويلزمه إياه كما يجعل الصبغ لازماً للثواب وأنشد ثعلب :
دع الشر وأنزل بالنجاة تحرزا * إذا أنت لم يصبغك في الشر صابغ
وثالثها : سمي الدين صبغة لأن هيئته تظهر بالمشاهدة من أثر الطهارة والصلاة ، قال الله تعالى : * ( سيماهم في وجوههم من أثر السجود ) * ( الفتح : 29 ) . ورابعها : قال القاضي قوله : * ( صبغة الله ) * متعلق بقوله : * ( قولوا آمنا بالله ) * ( البقرة : 136 ) إلى قوله : * ( ونحن له مسلمون ) * ( العنكبوت : 46 ) فوصف هذا الإيمان منهم بأنه صبغة الله تعالى ليبين أن المباينة بين هذا الدين الذي اختاره الله ، وبين الدين الذي اختاره المبطل ظاهرة جلية ، كما تظهر المباينة بين الألوان والأصباغ لذي الحس السليم . القول الثاني : أن صبغة الله فطرته وهو كقوله : * ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) * ( الروم : 30 ) ومعنى هذا الوجه أن الإنسان موسوم في تركيبه وبنيته بالعجز والفاقة ، والآثار الشاهدة عليه بالحدوث والافتقار إلى الخالق فهذه الآثار كالصبغة له وكالسمة اللازمة . قال القاضي : من حمل قوله : * ( صبغة الله ) * على الفطرة فهو مقارب في المعنى ، لقول من يقول : هو دين الله لأن الفطرة التي أمروا بها هو الذي تقتضيه الأدلة من عقل وشرع ، وهو الدين أيضاً ، لكن الدين أظهر لأن المراد على ما بينا هو الذي وصفوا أنفسهم به في قوله * ( قولوا آمنا بالله ) * فكأنه تعالى قال في ذلك : إن دين الله الذي ألزمكم التمسك به فالنفع به سيظهر ديناً ودنيا كظهور حسن الصبغة ، وإذا حمل الكلام على ما ذكرناه لم يكن لقول من يقول : إنما قال ذلك
تفسير الرازي — صفحة 96
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٩٦