تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
تكسر وتفلل . وثالثها : القضف وهو الدقة ، يقال رجل قضيف ، أي : نحيف ، لأن القلة من مسببات القطع . ورابعها : القضأة فعلة وهي الفساد ، يقال قضئت القربة إذا عفيت وفسدت وفي حسبه قضأة أي عيب ، وهذا كله من أسباب القطع أو مسبباته فهذا هو الكلام في مفهومه الأصلي بحسب اللغة . المسألة الثانية : في محامل لفظ القضاء في القرآن قالوا : أنه يستعمل على وجوه . أحدها : بمعنى الخلق ، قوله تعالى : * ( فقضاهن سبع سماوات ) * يعني خلقهن . وثانيها : بمعنى الأمر قال تعالى : * ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ) * ( الإسراء : 23 ) . وثالثها : بمعنى الحكم ، ولهذا يقال للحاكم : القاضي . ورابعاً : بمعنى الإخبار ، قال تعالى : * ( وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ) * ( الإسراء : 4 ) أي أخبرناهم ، وهذا يأتي مقروناً بإلى . وخامسها : أن يأتي بمعنى الفراغ من الشيء قال تعالى : * ( فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين ) * ( الأحقاف : 29 ) يعني لما فرغ من ذلك ، وقال تعالى : * ( وقضى الأمر واستوت على الجودي ) * ( هود : 44 ) يعني فرغ من إهلاك الكفار وقال : * ( وليقضوا تفثهم ) * ( الحج : 29 ) بمعنى ليفرغوا منه ، إذا عرفت هذا فنقول : قوله : * ( إذا قضى أمراً ) * ( آل عمران : 47 ) قيل : إذا خلق شيئاً ، وقيل : حكم بأنه يفعل شيئاً ، وقيل : أحكم أمراً ، قال الشاعر : وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع السوابغ تبع المسألة الثالثة : اتفقوا على أن لفظ الأمر حقيقة في القول المخصوص ، وهل هو حقيقة في الفعل والشأن الحق ؟ نعم وهو المراد بالأمر ههنا ، وبسط القول فيه مذكور في أصول الفقه . المسألة الرابعة : قرأ ابن عامر : * ( كن فيكون ) * ( آل عمران : 47 ) بالنصب في كل القرآن إلا في موضعين : في أول آل عمران : * ( كن فيكون * الحق ) * ( آل عمران : 59 ، 60 ) وفي الأنعام : * ( كن فيكون قوله الحق ) * ( الأنعام : 73 ) فإنه رفعهما ، وعن الكسائي بالنصب في النحل ويس وبالرفع في سائر القرآن ، والباقون بالرفع في كل القرآن ، أما النصب فعلى جواب الأمر ، وقيل هو بعيد ، والرفع على الاستئناف أي فهو يكون . المسألة الخامسة : اعلم أنه ليس المراد من قوله تعالى : * ( فإنما يقول له كن فيكون ) * ( آل عمران : 47 ) هو أنه تعالى يقول له : * ( كن ) * فحينئذ يتكون ذلك الشيء فإن ذلك فاسد والذي يدل عليه وجوه . الأول : أن قوله : * ( كن فيكون ) * إما أن يكون قديماً أو محدثاً والقسمان فاسدان فبطل القول بتوقف حدوث الأشياء على * ( كن ) * إنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون قديماً لوجوه . الأول : أن كلمة * ( كن ) * لفظة مركبة من الكاف والنون بشرط تقدم الكاف على النون ، فالنون لكونه مسبوقاً بالكاف لا بد وأن يكون محدثاً ، والكاف لكونه متقدماً على المحدث بزمان واحد يجب أن يكون محدثاً . الثاني : أن كلمة * ( إذا ) * لا تدخل إلا على سبيل الاستقبال ، فذلك القضاء لا بد وأن يكون
تفسير الرازي — صفحة 29 | فخر الدين الرازي