أنه لولاه لما حصلت الأقوات للعباد . وثالثها : أنه تعالى ينبت كل شيء بقدر الحاجة ، لأنه تعالى ضمن أرزاق الحيوانات ، بقوله : * ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ) * ( هود : 6 ) . ورابعها : أنه يوجد فيه من الألوان والطعوم والروائح وما يصلح للملابس ، لأن ذلك كله مما لا يقدر عليه إلا الله . وخامسها : يحصل للأرض بسبب النبات حسن ونضرة ورواء ورونق فذلك هو الحياة .
واعلم أن وصفه تعالى ذلك بالإحياء بعد الموت مجاز ، لأن الحياة لا تصح إلى علي من يدرك ويصح أن يعلم ، وكذلك الموت ، إلا أن الجسم إذا صار حياً حصل فيه أنواع من الحسن والنضرة والبهاء ، والنشور والنماء ، فأطلق لفظ الحياة على حصول هذه الأشياء ، وهذا من فصيح الكلام الذي على اختصاره يجمع المعاني الكثيرة .
واعلم أن إحياء الأرض بعد موتها يدل على الصانع من وجوه . أحدها : نفس الزرع ، لأن ذلك ليس في مقدور أحد على الحد الذي يخرج عليه . وثانيها : اختلاف ألوانها على وجه لا يكاد يحد ويحصى . وثالثها : اختلاف طعوم ما يظهر على الزرع والشجر . ورابعها : استمرار العادات بظهور ذلك في أوقاتها المخصوصة .
النوع السادس من الآيات : قوله تعالى : * ( وبث فيها من كل دابة ) * ( البقرة : 164 ) ونظيره جميع الآيات الدالة على خلقة الإنسان ، وسائر الحيوانات ، كقوله : * ( وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ) * ( النساء : 1 ) .
واعلم أن حدوث الحيوانات قد يكون بالتوليد ، وقد يكون بالتوالد ، وعلى التقديرين فلا بد فيهما من الصانع الحكيم فلنبين ذلك في الناس ثم في سائر الحيوانات .
أما الإنسان فالذي يدل على افتقاره في حدوثه إلى الصانع وجوه . أحدها : يروي أن واحداً قال عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إني أتعجب من أمر الشطرنج ، فإن رقعته ذراع في ذراع ، ولو لعب الإنسان ألف ألف مرة ، فإنه لا يتفق مرتان على وجه واحد فقال عمر بن الخطاب ههنا ما هو أعجب منه ، وهو أن مقدار الوجه شبر في شبر ، ثم إن موضع الأعضاء التي فيها كالحاجبين والعينين والأنف والفم ، لا يتغير البتة ثم إنك لا ترى شخصين في الشرق والغرب يشتبهان ، فما أعظم تلك القدرة والحكمة التي أظهرت في هذه الرقعة الصغيرة هذه الاختلافات التي لا حد لها . وثانيها : أن الإنسان متولد من النطفة ، فالمؤثر في تصوير النطفة وتشكيلها قوة موجودة في النطفة أو غير موجودة فيها فإن كانت القوة المصورة فيها ، فتلك القوة إما أن يكون لها شعور وإدراك وعلم وحكمة حتى تمكنت من هذا التصوير العجيب ، وأما أن لا تكون تلك القوة كذلك ، بل يكون تأثيرها بمجرد الطبع والعلية ، والأول ظاهر الفساد لأن الإنسان حال استكماله
تفسير الرازي — صفحة 224
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٢٤