فالقسم الأول : في تفصيل القول في كل واحد منها ، فالنوع الأول من الدلائل : الاستدلال بأحوال السماوات وقد ذكرنا طرفاً من ذلك في تفسير قوله تعالى : * ( الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء ) * ( البقرة : 22 ) ولنذكر ههنا نمطاً آخر من الكلام : روي أن عمر بن الحسام كان يقرأ كتاب المجسطي على عمر الأبهري ، فقال بعض الفقهاء يوماً : ما الذي تقرؤنه فقال : أفسر آية من القرآن ، وهي قوله تعالى : * ( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ) * ( ق : 6 ) فأنا أفسر كيفية بنيانها ، ولقد صدق الأبهري فيما قال فإن كل من كان أكثر توغلاً في بحار مخلوقات الله تعالى كان أكثر علماً بجلال الله تعالى وعظمته فنقول : الكلام في أحوال السماوات على الوجه المختصر الذي يليق بهذا الموضع مرتب في فصول :
الفصل الأول في ترتيب الأفلاك
قالوا : أقر بها إلينا كرة القمر ، وفوقها كرة عطارد ، ثم كرة الزهرة ، ثم كرة الشمس ، ثم كرة المريخ ، ثم كرة المشتري ، ثم كرة زحل ، ثم كرة الثوابت ، ثم الفلك الأعظم .
واعلم أن في هذا الموضوع أبحاثاً :
البحث الأول : ذكروا في طريق معرفة هذا الترتيب ثلاثة أوجه . الأول : السير ، وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يبصران ككوكب واحد ، . ويتميز السائر عن المستور بلونه الغالب ، كصفرة عطارد ، وبياض الزهرة وحمرة المريخ ، ودرية المشتري ، وكمودة زحل ، ثم إن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة ، وكثيراً من الثوابت في طريقه في ممر البروج ، وكوكب عطارد يكسف الزهرة ، والزهرة تكسف المريخ وعلى هذا الترتيب فهذا الطريق يدل على كون القمر تحت الشمس لانكسافها به ، لكن لا يدل على كون الشمس فوق سائر الكواكب أو تحتها ، لأن الشمس لا تنكسف بشيء منها لاضمحلال أضوائها في ضوء الشمس ، فسقط هذا الطريق بالنسبة إلى الشمس . الثاني : اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة ، وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل ، وأما في حق الشمس فقليل جداً ، فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين ، وهذا الطريق بين جداً لمن اعتبر اختلاف منظر الكواكب ، وشاهده على الوجه الذي حكيناه ، فأما من لم يمارسه ، فإنه
تفسير الرازي — صفحة 203
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٠٣