تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
الوجود ، والوجود من حيث هو وجود ماهية ، فإذا نفيته فقد نفيت هذه الماهية المسماة بالوجود ، فإذا عقل نفي هذه الماهية من حيث هي هي ، فلم لا يعقل نفي تلك الماهية أيضاً ، فإذا عقل ذلك صح اجراء قولنا : لا إله إلا الله على ظاهره ، من غير حاجة إلى الإضمار ، فإن قلت : إنا إذا قلنا السواد ليس بموجود ، فما نفيت الماهية وما نفيت الوجود ، ولكن نفيت موصوفية الماهية بالوجود ، قلت : فموصوفية الماهية بالوجود ، هل هي أمر منفصل عن الماهية وعن الوجود أم لا ، فإن كانت منفصلة عنهما كان نفيها نفياً لتلك الماهية ، فالماهية من حيث هي هي أمكن نفيها ، وحينئذ يعود التقريب المذكور ، وإن لم تكن تلك الموصوفية أمراً منفصلاً عنها استحال توجيه النفي إليها إلا بتوجيه النفي ، إما إلى الماهية وإما إلى الوجود ، وحينئذ يعود التقريب المذكور فثبت أن قولنا ، لا إله إلا هو حق وصدق من غير حاجة إلى الإضمار البتة . البحث الثاني : فيما يتعلق بهذه الكلمة أن تصور النفي متأخر عن تصور الإثبات ، فإنك ما لم تتصور الوجود أولاً ، استحال أن تتصور العدم ، فأنت لا تتصور من العدم إلا ارتفاع الوجود . فتصور الوجود غني عن تصور العدم ، وتصور العدم مسبوق بتصور الوجود ، فإن كان الأمر كذلك فما السبب في قلب هذه القضية في هذه الكلمة حتى قدمنا النفي وأخرنا الإثبات . والجواب : أن الأمر في العقل على ما ذكرت ، إلا أن تقديم النفي على الإثبات كان لغرض إثبات التوحيد ونفي الشركاء والأنداد . البحث الثالث : في كلمة * ( هو ) * أعلم أن المباحث اللفظية المتعلقة بهو قد تقدمت في * ( بسم الله الرحمن الرحيم ) * أما الأسرار المعنوية فنقول ، اعلم أن الألفاظ على نوعين : مظهرة ومضمرة : أما المظهرة فهي الألفاظ الدالة على الماهيات المخصوصة من حيث هي هي ، كالسواد ، والبياض ، والحجر ، والإنسان ، وأما المضمرات فهي الألفاظ الدالة على شيء ما ، هو المتكلم ، والمخاطب ، والغائب ، من غير دلالة على ماهية ذلك المعين ، وهي ثلاثة : أنا ، وأنت ، وهو ، وأعرفها أنا ، ثم أنت ، ثم هو ، والدليل على صحة هذا الترتيب أن تصوري لنفسي من حيث أني أنا مما لا يتطرق إليه الاشتباه ، فإنه من المستحيل أن أصير مشتبهاً بغيري ، أو يشتبه بي غيري ، بخلاف أنت ، فإنك قد تشتبه بغيرك ، وغيرك يشتبه بك في عقلي وظني ، وأيضاً فأنت أعرف من هو ، فالحاصل أن أشد المضمرات عرفاناً * ( أنا ) * وأشدها بعداً عن العرفان . ( هو ) وأما ( أنت ) فكالمتوسط بينهما ، والتأمل التام يكشف عن صدق هذه القضية ، ومما يدل على أن أعرف الضمائر قولاً قولي ( أنا ) أن