والمحن فإن ذلك كالمستقبح في العقول لأن الله تعالى لا ينتفع به ويتألم العبد منه فكان ذلك كالمستقبح إلا أن الشرع لما ورد به بين الحكمة فيه ، وهي الابتلاء والامتحان على ما قال : * ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ) * ( البقرة : 155 ) فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصواباً . وثالثها : الأمر الذي لا يهتدي لا إلى حسنه ولا إلى قبحه ، بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة وهو مثل أفعال الحج من السعي بين الصفا والمروة ، فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين ليكون قد نبه على جميع أقسام تكاليفه وذاكراً لكلها على سبيل الاستيفاء والاستقصاء والله أعلم .
المسألة الثانية : اعلم أن الصفا والمروة علمان للجبلين المخصوصين إلا أن الناس تكلموا في أصل اشتقاقهما قال القفال رحمه الله : قيل إن الصفا واحد ويجمع على صفي وأصفاء كما يقال عصا وعصي ، ورحا وأرحاء قال الزاجر :
كأن متنيه من النفي * مواقع الطير من الصفي
وقد يكون بمعنى جمع واحدته صفاة قال جرير :
إنا إذا قرع العدو صفاتنا * لاقوا لنا حجراً أصم صلودا
وفي كتاب الخليل : الصفا الحجر الضخم الصلب الأملس ، وإذا نعتوا الصخرة قالوا : صفاة صفواء ، وإذا ذكروا قالوا : صفا صفوان . فجعل الصفا والصفاة كأنهما في معنى واحد وقال المبرد الصفا كل حجر لا يخالطه غيره من طين أو تراب متصل به ، واشتقاقه من صفا يصفوا إذا خلص وأما المروة فقال الخليل : من الحجارة ما كان أبيض أملس صلباً شديد الصلابة ، وقاله غير : هو الحجارة الصغيرة يجمع في القليل مروات وفي الكثير مرو قال أبو ذؤيب :
حتى كأني للحوادث مروة * بصفا المشاعر كل يوم يقرع
وأما * ( شعائر الله ) * فهي أعلام طاعته ، وكل شيء جعل علماً من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله ، قال الله تعالى : * ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله ) * ( الحج : 36 ) أي علامة للقربة ، وقال : * ( ذلك ومن يعظم شعائر الله ) * ( الحج : 32 ) وشعائر الحج : معالم نسكه ومنه المشعر الحرام ، ومنه إشعار السنام : وهو أن يعلم بالمدية فيكون ذلك علماً على إحرام صاحبها ، وعلى أنه قد جعله هديا لبيت الله ، ومنه الشعائر في الحرب ، وهو العلامة التي يتبين بها إحدى الفئتين من الأخرى والشعائر جمع شعيرة ، وهو مأخوذ من الإشعار الذي هو الإعلام ومنه قولك : شعرت بكذا ، أي علمت .
المسألة الثالثة : الشعائر إما أن نحملها على العبادات أو على النسك ، أو نحملها على مواضع
تفسير الرازي — صفحة 177
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص١٧٧