تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
كالصبر على الضرب الشديد والألم العظيم . والثاني : هو الصبر النفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الشهوة ومشتهيات الطبع ، ثم هذا الضرب إن كان صبراً عن شهوة البطن والفرج سمي عفة ، وإن كان على احتمال مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي عليه الصبر ، فإن كان في مصيبة اقتصر عليه باسم الصبر ويضاده حالة تسمى الجزع والهلع ، وهو إطلاق داعي الهوى في رفع الصوت وضرب الخد وشق الجيب وغيرها وإن كان في حال الغنى يسمى ضبط النفس ويضاده حالة تسمى : البطر . وإن كان في حرب ومقاتلة يسمى : شجاعة ، ويضاده الجبن ، وإن كان في كظم الغيظ والغضب يسمى : حلماً ، ويضاده النزق ، وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمي : سعة الصدر ، ويضاده الضجر والندم وضيق الصدر وإن كان في إخفاء كلام يسمى : كتمان النفس ويسمى صاحبه : كتوماً ، وإن كان عن فضول العيش سمي زهداً ، ويضاده الحرص وإن كان على قدر يسير من المال سمي بالقناعة ويضاده الشره وقد جمع الله تعالى أقسام ذلك وسمي الكل صبراً فقال : * ( الصابرين في البأساء ) * أي المصيبة . * ( والضراء ) * أي الفقر : * ( وحين البأس ) * أي المحاربة : * ( أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) * ( البقرة : 177 ) قال القفال رحمه الله ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن لا يكره ذلك لأن ذلك غير ممكن ، إنما الصبر هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع ، فإذا كظم الحزن وكف النفس عن إبراز آثاره كان صاحبه صابراً ، وإن ظهر دمع عين أو تغير لون ، قال عليه السلام : " الصبر عند الصدمة الأولى " وهو كذلك ، لأن من ظهر منه في الابتداء ما لا يعد معه من الصابرين ثم صبر ، فذلك يسمى سلوا وهو مما لا بد منه قال الحسن : لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه والله أعلم . المسألة الرابعة : في فضيلة الصبر قد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال : * ( وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ) * ( السجدة : 24 ) وقال : * ( وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ) * ( الأعراف : 137 ) وقال : * ( وليجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) * ( النحل : 96 ) وقال : * ( أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ) * ( القصص : 54 ) وقال : * ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) * ( الزمر : 10 ) فما من طاعة إلا وأجرها مقدراً إلا الصبر ، ولأجل كون الصوم من الصبر قال تعالى : * ( الصوم لي ) * فإضافة إلى نفسه ، ووعد الصابرين بأنه معهم فقال : * ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) * ( الأنفال : 46 ) وعلق النصرة على الصبر فقال : * ( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ) * ( آل عمران : 125 ) وجمع للصابرين أموراً لم يجمعها لغيرهم فقال : * ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) * ( البقرة : 157 ) .
تفسير الرازي — صفحة 171 | فخر الدين الرازي