تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
الكعبة ، ومن الناس من قال : التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بقوله تعالى : * ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) * ثم إن ذلك صار منسوخاً بقوله : * ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) * واحتجوا عليه بالقرآن والأثر ، أما القرآن فهو أنه تعالى ذكر أولاً قوله : * ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) * ثم ذكر بعد : * ( سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) * ( البقرة : 142 ) ثم ذكر بعده : * ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) * وهذا الترتيب يقتضي صحة المذهب الذي قلناه بأن التوجه إلى بيت المقدس صار منسوخاً بقوله : * ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) * فلزم أن يكون قوله تعالى : * ( سيقول السفهاء من الناس ) * متأخراً في النزول والدرجة عن قوله تعالى : * ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) * فحينئذ يكون تقديمه عليه في الترتيب على خلاف الأصل ، فثبت ما قلناه ، وأما الأثر فما روي عن ابن عباس أمر القبلة أول ما نسخ من القرآن ، والأمر بالتوجه إلى بيت المقدس غير مذكور في القرآن ، إنما المذكور في القرآن : * ( ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله ) * فوجب أن يكون قوله : * ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) * ناسخاً لذلك ، لا للأمر بالتوجه إلى بيت المقدس . أما قوله : * ( فلنولينك قبلة ترضاها ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : * ( فلنولينك ) * فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا ، إذا جعلته والياً له ، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سميت بيت المقدس . المسألة الثانية : قوله : * ( ترضاها ) * فيه وجوه . أحدها : ترضاها تحبها وتميل إليها ، لأن الكعبة كانت أحب إليه من غيرها بحسب ميل الطبع ، قال القاضي : هذا لا يجوز فإنه من المحال أن يقول الله تعالى : فلنولينك قبلة يميل طبعك إليها ، لأن ذلك يقدح في حكمته تعالى فيما يكلف ، ويقدح في حال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يريده في حال التكليف ، وهذا الاعتراض ضعيف لأن الطعن إنما يتوجه لو قال الله تعالى : أنا حولناك إلى القبلة التي مال طبعك إليها بمجرد ميل طبعك فأما لو قال : أنا حولناك إلى القبلة التي مال طبعك إليها لأجل أن الحكمة والمصلحة وافقت ميل طبعك فأي ضرر يلزم منه وقال عليه الصلاة والسلام : " وجعلت قرة عيني في الصلاة " فكان طبعه يميل إلى الصلاة مع أن المصلحة كانت موافقة لذلك . وثانيها : * ( قبلة ترضاها ) * أي تحبها بسبب اشتمالها على المصالح الدينية . وثالثها : قال الأصم : أي كل جهة وجهك الله إليها فهي لك رضا لا يجوز أن تسخط ، كما فعل من انقلب على عقيبه من العرب الذين كانوا قد أسلموا ، فلما تحولت القبلة ارتدوا . ورابعها : * ( ترضاها ) * أي ترضى عاقبتها لأنك تعرف بها من يتبعك للإسلام ، فمن يتبعك لغير ذلك من دنيا يصيبها أو مال يكتسبه .