تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
أعلم ، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم فيشهدون فتقول الأمم من أين عرفتم فيقولون : علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق ، فيؤتى بمحمد عليه الصلاة والسلام ، فيسأل عن حال أمته فيزكيهم ويشهد بعدالتهم وذلك قوله : * ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ) * ( النساء : 41 ) وقد طعن القاضي في هذه الرواية من وجوه : أولها : أن مدار هذه الرواية عن أن الأمم يكذبون أنبياءهم وهذا بناء على أن أهل القيامة قد يكذبون ، وهذا باطل عند القاضي ، إلا أنا سنتكلم على هذه المسألة في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى : * ( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين * انظر كيف كذبوا على أنفسهم ) * ( الأنعام : 23 ، 24 ) . وثانيها : أن شهادة الأمة وشهادة الرسول مستندة في الآخرة إلى شهادة الله تعالى على صدق الأنبياء ، وإذا كان كذلك فلم لم يشهد الله تعالى لهم بذلك ابتداء ؟ وجوابه : الحكمة في ذلك تمييز أمة محمد صلى الله عليه وسلم في الفضل عن سائر الأمم بالمبادرة إلى تصديق الله تعالى وتصديق جميع الأنبياء ، والإيمان بهم جميعاً ، فهم بالنسبة إلى سائر الأمم كالعدل بالنسبة إلى الفاسق ، فلذلك يقبل الله شهادتهم على سائر الأمم ولا يقبل شهادة الأمم عليهم إظهاراً لعدالتهم وكشفاً عن فضيلتهم ومنقبتهم . وثالثها : أن مثل هذه الأخبار لا تسمى شهادة وهذا ضعيف لقوله عليه الصلاة والسلام : " إذا علمت مثل الشمس فاشهد " والشيء الذي أخبر الله تعالى عنه فهو معلوم مثل الشمس فوجب جواز الشهادة عليه . الوجه الثاني : قالوا معنى الآية : لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا الحق فيها قال ابن زيد : الأشهاد أربعة . أولها : الملائكة الموكلون بإثبات أعمال العباد . قال تعالى : * ( وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ) * ( ق : 21 ) وقال : * ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) * ( ق : 18 ) وقال : * ( وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين * يعلمون ما تفعلون ) * ( الانفطار : 10 - 12 ) . وثانيها : شهادة الأنبياء وهو المراد بقوله حاكياً عن عيسى عليه السلام : * ( وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد ) * ( المائدة : 117 ) وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم وأمته في هذه الآية : * ( لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) * وقال : * ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً ) * ( النساء : 41 ) . وثالثها : شهادة أمة محمد خاصة . قال تعالى : * ( وجئ بالنبيين والشهداء ) * ( الزمر : 69 ) وقال تعالى : * ( ويوم يقوم الأشهاد ) * ( غافر : 51 ) . ورابعها : شهادة الجوارح وهي بمنزلة الإقرار بل أعجب منه قال تعالى : * ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم ) * ( النور : 24 ) الآية ، وقال : * ( اليوم نختم على أفواههم ) * ( يس : 65 ) الآية . القول الثاني : أن أداء هذه الشهادة إنما يكون في الدنيا وتقريره أن الشهادة والمشاهد