للتعقيب الذي ذكرته فإنه تعالى رضي عنهم فأنزل السكينة عليهم ، وفي علم بيان وصف المبايعة بكونها معقبة بالعلم بالصدق الذي في قلوبهم وهذا توفيق لا يتأتى إلا لمن هداه الله تعالى إلى معاني كتابه الكريم وقوله تعالى : * ( وأثابهم فتحاً قريباً ) * هو فتح خيبر * ( ومغانم كثيرة يأخذونها ) * مغانمها وقيل مغانم هجر * ( وكان الله عزيزاً ) * كامل القدرة غنياً عن إعانتكم إياه * ( حكيماً ) * حيث جعل هلاك أعدائه على أيديكم ليثيبكم عليه أو لأن في ذلك إعزاز قوم وإذلال آخرين ، فإنه يذل من يشاء بعزته ويعز من يشاء بحكمته .
ثم قال تعالى
* ( وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً ) * .
إشارة إلى أن ما أتاهم من الفتح والمغانم ليس هو كل الثواب بل الجزاء قدامهم ، وإنما هي لعاجلة عجل بها ، وفي المغانم الموعود بها أقوال ، أصحها أنه وعدهم مغانم كثيرة من غير تعيين وكل ما غنموه كان منها والله كان عالماً بها ، وهذا كما يقول الملك الجواد لمن يخدمه : يكون لك مني على ما فعلته الجزاء إن شاء الله ، ولا يريد شيئاً بعينه ، ثم كل ما يأتي به ويؤتيه يكون داخلاً تحت ذلك الوعد ، غير أن الملك لا يعلم تفاصيل ما يصل إليه وقت الوعد ، ولله عالم بها ، وقوله تعالى : * ( وكف أيدي الناس عنكم ) * لإتمام المنة ، كأنه قال رزقتكم غنيمة باردة من غير مس حر القتال ولو تعبتم فيه لقلتم هذا جزاء تعبنا ، وقوله تعالى : * ( ولتكون آية للمؤمنين ) * عطف على مفهوم لأنه لما قال الله تعالى : * ( فعجل لكم هذه ) * واللام ينبئ عن النفع كما أن علي ينبئ عن الضر القائل لا علي ولا ليا بمعنى لا ما أتضرر به ولا ما أنتفع به ولا أضر به ولا أنفع ، فكذلك قوله * ( فعجل لكم هذه ) * لتنفعكم * ( ولتكون آية للمؤمنين ) * وفيه معنى لطيف وهو أن المغانم الموعود بها كل ما يأخذه المسلمون فقوله * ( ولتكون آية للمؤمنين ) * يعني لينفعكم بها وليجعلها لمن بعدكم آية تدلهم على أن ما وعدهم الله يصل إليهم كما وصل إليكم ، أو نقول : معناه لتنفعكم في الظاهر وتنفعكم في الباطن حيث يزداد يقينكم إذا رأيتم صدق الرسول في إخباره عن الغيوب فتجمل أخباركم ويكمل اعتقادكم ، وقوله * ( ويهديكم صراطاً مستقيماً ) * وهو التوكل عليه والتفويض إليه والاعتزاز به .
قوله تعالى
* ( وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيراً ) * .
تفسير الرازي — صفحة 96
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٩٦