الوقوع ، وههنا وعدهم بسبب القتال والقتل ، فكان في اللفظ ما يدل على الاستقبال ، لأن قوله تعالى : * ( فإذا لقيتم ) * ( محمد : 4 ) يدل على الاستقبال فقال : * ( ويصلح بالهم ) * ثم قال تعالى :
* ( وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ) * .
وكأن الله تعالى عند حشرهم يهديهم إلى طريق الجنة ويلبسهم في الطريق خلع الكرامة ، وهو إصلاح البال * ( ويدخلهم الجنة ) * فهو على ترتيب الوقوع .
وأما قوله * ( عرفها لهم ) * . ففيه وجوه : أحدها : هو أن كل أحد يعرف منزلته ومأواه ، حتى أن أهل الجنة يكونون أعرف بمنازلهم فيها من أهل الجمعة ينتشرون في الأرض كل أحد يأوي إلى منزله ، ومنهم من قال الملك الموكل بأعماله يهديه الوجه الثاني : * ( عرفها لهم ) * أي طيبها يقال طعام معرف الوجه الثالث : قال الزمخشري يحتمل أن يقال عرفها لهم حددها من عرف الدار وأرفها أي حددها ، وتحديدها في قوله * ( وجنة عرضها السماوات والأرض ) * ( آل عمران : 133 ) ويحتمل أن يقال المراد هو قوله تعالى : * ( وتلك الجنة التي أورثتموها ) * ( الزخرف : 72 ) مشيراً إليها معرفاً لهم بأنها هي تلك وفيه وجه آخر وهو أن يقال معناه * ( عرفها لهم ) * قبل القتل فإن الشهيد قبل وفاته تعرض عليه منزلته في الجنة فيشتاق إليها ووجه ثان : معناه * ( ويدخلهم الجنة ) * ولا حاجة إلى وصفها فإنه تعالى : * ( عرفها لهم ) * مراراً ووصفها ووجه ثالث : وهو من باب تعريف الضالة فإن الله تعالى لما قال : * ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ) * ( التوبة : 111 ) فكأنه تعالى قال من يأخذ الجنة ويطلبها بماله أو بنفسه فالذي قتل سمع التعريف وبذل ما طلب منه عليها فأدخلها ، ثم إنه تعالى لما بيّن ما على القتال من الثواب والأجر وعدهم بالنصر في الدنيا زيادة في الحث ليزداد منهم الإقدام فقال :
* ( ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ) * .
وفي نصر الله تعالى وجوه : الأول : إن تنصروا دين الله وطريقه والثاني : إن تنصروا حزب الله وفريقه الثالث : المراد نصرة الله حقيقة ، فنقول النصرة تحقيق مطلوب أحد المتعاديين عند الاجتهاد والأخذ في تحقيق علامته ، فالشيطان عدو الله يجتهد في تحقيق الكفر وغلبة أهل الإيمان ، والله يطلب قمع الكفر وإهلاك أهله وإفناء من اختار الإشراك بجهله ، فمن حقق نصرة الله حيث حقق مطلوبه لا تقول حقق مراده فإن مراد الله لا يحققه غيره ، ومطلوبه عند أهل السنة غير مراده فإنه طلب الإيمان من الكافر ولم يرده وإلا لوقع .
ثم قال : * ( ينصركم ) * فإن قيل فعلام قلت إذا نصر المؤمنين الله تعالى ، فقد حقق ما طلبه ، فكيف
تفسير الرازي — صفحة 48
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٤٨