تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
اختلى بنفسه ورأى منامه ما رأى * ( وما ينطق عن الهوى ) * الآن حيث أرسل إليكم وجعل رسولاً شاهداً عليكم ، فلم يكن أولاً ضالاً ولا غاوياً ، وصار الآن منقذاً من الضلالة ومرشداً وهادياً . وأما على ما ذكرت أن تقديره كيف يضل وهو لا ينطق عن الهوى فلا توافقه الصيغة ؟ نقول بلى ، وبيانه أن الله تعالى يصون من يريد إرساله في صغره عن الكفر ، والمعايب القبيحة كالسرقة والزنا واعتياد الكذب ، فقال تعالى : * ( ما ضل ) * في صغره ، لأنه لا ينطق عن الهوى ، وأحسن ما يقال في تفسير الهوى أنها المحبة ، لكن من النفس يقال هويته بمعنى أحببته لكن الحروف التي في هوى تدل على الدنو والنزول والسقوط ومنه الهاوية ، فالنفس إذا كانت دنيئة ، وتركت المعالي وتعلقت بالسفاسف فقد هوت فاختص الهوى بالنفس الأمارة بالسوء ، ولو قلت أهواه بقلبي لزال ما فيه من السفالة ، لكن الاستعمال بعد استبعاد استعمال القرآن حيث لم يستعمل الهوى إلا في المواضع الذي يخالف المحبة ، فإنها مستعملة في موضع المدح ، والذي يدل على ما ذكرنا قوله تعالى : * ( فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا ) * إلى قوله * ( ونهى النفس عن الهوى ) * ( النازعات : 37 - 40 ) إشارة إلى علو مرتبة النفس . * ( إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَى ) * . ثم قال تعالى : * ( إن هو إلا وحي يوحى ) * بكلمة البيان ، وذلك لأنه تعالى لما قال : * ( وما ينطق عن الهوى ) * ( النجم : 3 ) كأن قائلاً قال : فبماذا ينطق أعن الدليل أو الاجتهاد ؟ فقال لا ، وإنما ينطق عن الله بالوحي ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : * ( إن ) * استعملت مكان ما للنفي ، كما استعملت ما للشرط مكان إن ، قال تعالى : * ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها ) * ( البقرة : 106 ) والمشابهة بينهما من حيث اللفظ والمعنى ، أما اللفظ فلأن إن من الهمزة والنون ، وما من الميم والألف ، والألف كالهمزة والنون كالميم ، أما الأول : فبدليل جواز القلب ، وأما الثاني : فبدليل جواز الإدغام ووجوبه ، وأما المعنى فلأن إن تدل على النفي من وجه ، وعلى الإثبات من وجه ، ولكن دلالتها على النفي أقوى وأبلغ ، لأن الشرط والجزاء في صورة استعمال لفظة إن يجب أن يكون في الحالة معدوماً إذا كان المقصود الحث أو المنع ، تقول إن تحسن فلك الثواب ، وإن تسيء فلك العذاب ، وإن كان المراد بيان حال القسمين المشكوك فيهما كقولك : إن كان هذا الفص زجاجاً فقيمته نصف ، وإن كان جوهراً فقيمته ألف ، فههنا وجود شيء منهما غير معلوم وعدم العلم حاصل ، وعدم العلم ههنا كعدم الحصول في الحث والمنع ، فلا بد في صور استعمال إن عدم ، إما في الأمر ، وإما في العلم ، وإما الوجود فذلك عند وجود الشرط في بيان الحال ، ولهذا قال النحاة : لا يحسن أن يقال إن احمر البسر آتيك ، لأن ذلك أمر سيوجد لا محالة ، وجوزوا استعمال إن فيما لا يوجد أصلاً ، يقال في قطع الرجاء