عليه في الدنيا من الخشية والخوف ، فيقولون * ( إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين ) * وهو أنهم يكون تساؤلهم عن سبب ما وصلوا إليه فيقولون خشية الله كنا نخاف الله * ( فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم ) * وفيه لطيفة وهو أن يكون إشفاقهم على فوات الدنيا والخروج منها ومفارقة الإخوان ثم لما نزلوا الجنة علموا خطأهم .
* ( فَذَكِّرْ فَمَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلاَ مَجْنُونٍ * أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّى مَعَكُمْ مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ) * .
وتعلق الآية بما قبلها ظاهر لأنه تعالى بيّن أن في الوجود قوماً يخافون الله ويشفقون في أهليهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بتذكير من يخاف الله تعالى بقوله * ( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) * ( ق : 45 ) فحقق من يذكره فوجب التذكير ، وأما الرسول عليه السلام فليس له إلا الإتيان بما أمر به ، وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في الفاء في قوله * ( فذكر ) * قد علم تعلقه بما قبله فحسن ذكره بالفاء . المسألة الثانية : معنى الفاء في قوله * ( فما أنت ) * أيضاً قد علم أي أنك لست بكاهن فلا تتغير ولا تتبع أهواءهم ، فإن ذلك سيرة المزور * ( فذكر ) * فإنك لست بمزور ، وذلك سبب التذكير .
المسألة الثالثة : ما وجه تعلق قوله * ( نتربص به ريب المنون ) * بقوله * ( شاعر ) * ؟ نقول فيه وجهان الأول : أن العرب كانت تحترز عن إيذاء الشعراء وتتقي ألسنتهم ، فإن الشعر كان عندهم يحفظ ويدون ، وقالوا لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره ، وإنما سبيلنا الصبر وتربص موته الثاني : أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول إن الحق دين الله ، وإن الشرع الذي أتيت به يبقى أبد الدهر وكتابي يتلى إلى قيام الساعة ، فقالوا ليس كذلك إنما هو شاعر ، والذي يذكره في حق آلهتنا شعر ولا ناصر له وسيصيبه من بعض آلهتنا الهلاك فنتربص به ذلك .
المسألة الرابعة : ما معنى ريب المنون ؟ نقول قيل هو اسم للموت فعول من المن وهو القطع والموت قطوع ، ولهذا سمي بمنون ، وقيل المنون الدهر وريبة حوادثه ، وعلى هذا قولهم * ( نتربص ) * يحتمل وجهاً آخر ، وهو أن يكون المراد أنه إذا كان شاعراً فصروف الزمان ربما تضعف ذهنه وتورث وهنه فيتبين لكل فساد أمره وكساد شعره .
المسألة الخامسة : كيف قال : * ( تربصوا ) * بلفظ الأمر وأمر النبي صلى الله عليه وسلم يوجب المأمور ( به ) أو يفيد جوازه ، وتربصهم ذلك كان حراماً ؟ نقول ذلك ليس بأمر وإنما هو تهديد معناه تربصوا ذلك فإنا نتربص الهلاك بكم على حد ما يقول السيد الغضبان لعبده افعل ما شئت فإني لست عنك
تفسير الرازي — صفحة 255
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٥٥