تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
الله تعالى يلحق به ولده وإن لم يعمل عملاً صالحاً كما أتبعه ، وإن لم يشهد ولم يعتقد شيئاً . اللطيفة الثالثة : في قوله تعالى : * ( بإيمان ) * فإن الله تعالى أتبع الولد الوالدين في الإيمان ولم يتبعه أباه في الكفر بدليل أن من أسلم من الكفار حكم بإسلام أولاده ، ومن ارتد من المسلمين والعياذ بالله لا يحكم بكفر ولده . اللطيفة الرابعة : قال في الدنيا * ( اتبعناهم ) * وقال في الآخرة * ( ألحقنا بهم ) * وذلك لأن في الدنيا لا يدرك الصغير التبع مساواة المتبوع ، وإنما يكون هو تبعاً والأب أصلاً لفضل الساعي على غير الساعي ، وأما في الآخرة فإذا ألحق الله بفضله ولده به جعل له من الدرجة مثل ما لأبيه . اللطيفة الخامسة : في قوله تعالى : * ( وما ألتناهم ) * تطييب لقلبهم وإزالة وهم المتوهم أن ثواب عمل الأب يوزع على الوالد والولد بل للوالد أجر عمله بفضل السعي ولأولاده مثل ذلك فضلاً من الله ورحمة . اللطيفة السادسة : في قوله تعالى : * ( من عملهم ) * ولم يقل من أجرهم ، وذلك لأن قوله تعالى : * ( وما ألتناهم من عملهم ) * دليل على بقاء عملهم كما كان والأجر على العمل مع الزيادة فيكون فيه الإشارة إلى بقاء العمل الذي له الأجر الكبير الزائد عليه العظيم العائد إليه ، ولو قال : ما ألتناهم من أجرهم ، لكان ذلك حاصلاً بأدنى شيء لأن كل ما يعطي الله عبده على عمله فهو أجر كامل ولأنه لو قال تعالى ما ألتناهم من أجرهم ، كان مع ذلك يحتمل أن يقال إن الله تعالى تفضل عليه بالأجر الكامل على العمل الناقص ، وأعطاه الأجر الجزيل ، مع أن عمله كان له ولولده جميعاً ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله تعالى : * ( والذين آمنوا ) * عطف على ماذا ؟ نقول على قوله * ( إن المتقين ) * ( الطور : 17 ) . المسألة الثانية : إذا كان كذلك فلم أعاد لفظ * ( الذين آمنوا ) * وكان المقصود يحصل بقوله تعالى : * ( وألحقنا بهم ذرياتهم ) * بعد قوله * ( وزوجناهم ) * ( الطور : 20 ) وكان يصير التقدير وزوجناهم وألحقنا بهم ؟ نقول فيه فائدة وهو أن المتقين هم الذين اتقوا الشرك والمعصية وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقال ههنا * ( الذين آمنوا ) * أي بوجود الإيمان يصير ولده من أهل الجنة ، ثم إن ارتكب الأب كبيرة أو صغيرة على صغيرة لا يعاقب به ولده بل الوالد وربما يدخل الجنة الابن قبل الأب ، وفيه لطيفة معنوية ، وهو أنه ورد في الأخبار أن الولد الصغير يشفع لأبيه وذلك إشارة إلى الجزاء . المسألة الثالثة : هل يجوز غير ذلك ؟ نقول نعم يجوز أن يكون قوله تعالى : * ( والذين آمنوا ) * عطفاً على * ( بحور عين ) * ( الطور : 20 ) تقديره : زوجناهم بحور عين ، أي قرناهم بهن ، وبالذين آمنوا ، إشارة إلى قوله تعالى : * ( إخواناً على سرر متقابلين ) * ( الحجر : 47 ) أي جمعنا شملهم بالأزواج والإخوان والأولاد بقوله تعالى : * ( وأتبعناهم ) * وهذا الوجه ذكره الزمخشري والأول أحسن وأصح ، فإن قيل كيف يصح على
تفسير الرازي — صفحة 251 | فخر الدين الرازي