تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
هذا ليس بشيء ولا يصح عليه ، ولو قال قائل في مثل هذه الصورة خرج ليأخذ بلاد العدو وليرهبه لصدق ، فالتعليل اللفظي هو جعل المنفعة المعتبرة علة للفعل الذي فيه المنفعة ، يقال اتجر للربح ، وإن لم يكن في الحقيقة له ، إذا عرفت هذا ، فنقول الحقائق غير معلومة عند الناس ، والمفهوم من النصوص معانيها اللفظية لكن الشيء إذا كان فيه منفعة يصح التعليل بها لفظاً والنزاع في الحقيقة في اللفظ الثاني : هو أن ذلك تقدير كالتمني والترجي في كلام الله تعالى وكأنه يقول العبادة عند الخلق شيء لو كان ذلك من أفعالكم لقلتم إنه لها ، كما قلنا في قوله تعالى : * ( لعله يتذكر ) * ( طه : 44 ) أي بحيث يصير تذكرة عندكم مرجواً وقوله * ( عسى ربكم أن يهلك عدوكم ) * ( الأعراف : 129 ) أي يصير إهلاكه عندكم مرجواً تقولون إنه قرب الثاني : هو أن اللام قد تثبت فيما لا يصح غرضاً كما في الوقت قال تعالى : * ( أقم الصلاة لدلوك الشمس ) * ( الإسراء : 78 ) وقوله تعالى : * ( فطلقوهن لعدتهن ) * ( الطلاق : 1 ) والمراد المقارنة ، وكذلك في جميع الصور ، وحينئذ يكون معناه قرنت الخلق بالعبادة أي بفرض العبادة أي خلقتهم وفرضت عليهم العبادة ، والذي يدل على عدم جواز التعليل الحقيقي هو أن الله تعالى مستغن عن المنافع فلا يكون فعله لمنفعة راجعة إليه ولا إلى غيره ، لأن الله تعالى قادر على إيصال المنفعة إلى الغير من غير واسطة العمل فيكون توسط ذلك لا ليكون علة ، وإذا لزم القول بأن الله تعالى يفعل فعلاً هو لمتوسط لا لعلة لزمهم المسألة ، وأما النصوص فأكثر من أن تعد وهي على أنواع ، منها ما يدل على أن الإضلال بفعل الله كقوله تعالى : * ( يضل من يشاء ) * ( الرعد : 27 ) وأمثاله ومنها ما يدل على أن الأشياء كلها بخلق الله كقوله تعالى : * ( خالق كل شيء ) * ( الرعد : 16 ) ومنها الصرايح التي تدل على عدم ذلك ، كقوله تعالى : * ( لا يسأل عما يفعل ) * ( الأنبياء : 23 ) وقوله تعالى : * ( ويفعل الله ما يشاء ) * ( إبراهيم : 27 ) * ( يحكم ما يريد ) * ( المائدة : 1 ) والاستقصاء مفوض فيه إلى المتكلم الأصولي لا إلى المفسر . المسألة الرابعة : قال تعالى : * ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ) * ( الحجرات : 13 ) وقال : * ( ليعبدون ) * فهل بينها اختلاف ؟ نقول ليس كذلك فإن الله تعالى علل جعلهم شعوباً بالتعارف ، وههنا علل خلقهم بالعبادة وقوله هناك * ( أكرمكم عند الله أتقاكم ) * ( الحجرات : 13 ) دليل على ما ذكره ههنا وموافق له ، لأنه إذا كان أتقى كان أعبد وأخلص عملاً ، فيكون المطلوب منه أتم في الوجود فيكون أكرم وأعز ، كالشئ الذي منفعته فائدة ، وبعض أفراده يكون أنفع في تلك الفائدة ، مثاله الماء إذا كان مخلوقاً للتطهير والشرب فالصافي منه أكثر فائدة في تلك المنفعة فيكون أشرف من ماء آخر ، فكذلك العبد الذي وجد فيه ما هو المطلوب منه على وجه أبلغ . المسألة الخامسة : ما العبادة التي خلق الجن والإنس لها ؟ قلنا : التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ، فإن هذين النوعين لم يخل شرع منهما ، وأما خصوص العبادات فالشرائع مختلفة فيها بالوضع والهيئة والقلة والكثرة والزمان والمكان والشرائط والأركان ، ولما كان التعظيم اللائق بذي الجلال والإكرام لا يعلم عقلاً لزم اتباع الشرائع فيها والأخذ بقول الرسل عليهم السلام فقد أنعم
تفسير الرازي — صفحة 233 | فخر الدين الرازي