تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
ثم قال : * ( وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها ) * فإن قيل ظاهر اللفظ يقتضي كون كل واحد منها أفضل من التالي وذلك محال ، قلنا إذا أُريد المبالغة في كون كل من تلك الأشياء بالغاً إلى أقصى الدرجات في الفضيلة ، فقد يذكر هذا الكلام بمعنى أنه لا يبعد في أناس ينظرون إليها أن يقول هذا إن هذا أفضل من الثاني ، وأن يقول الثاني لا بل الثاني أفضل ، وأن يقول الثالث أفضل ، وحينئذ يصير كل واحد من تلك الأشياء مقولاً فيه إنه أفضل من غيره . ثم قال تعالى : * ( وأخذناهم بالعذاب لعلّهم يرجعون ) * أي عن الكفر إلى الإيمان ، قالت المعتزلة هذا يدل على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل وأنه إنما أظهر تلك المعجزات القاهرة لإرادة أن يرجعوا من الكفر إلى الإيمان ، قال المفسرون ومعنى قوله * ( وأخذناهم بالعذاب ) * أي بالأشياء التي سلطها عليها كالطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس . ثم قال تعالى : * ( وقالوا يا أيها الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون ) * فإن قيل كيف سموه بالساحر مع قولهم * ( إننا لمهتدون ) * ؟ قلنا فيه وجوه الأول : أنهم كانوا يقولون للعالم الماهر ساحر ، لأنهم كانوا يستعظمون السحر ، وكما يقال في زماننا في العامل العجيب الكامل إنه أتى بالسحر الثاني : * ( يا أيها الساحر ) * في زعم الناس ومتعارف قوم فرعون كقوله * ( يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ) * ( الحجر : 6 ) أي نزل عليه الذكر في اعتقاده وزعمه الثالث : أن قولهم * ( إننا لمهتدون ) * وقد كانوا عازمين على خلافه ألا ترى إلى قوله * ( فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون ) * فتسميتهم إياه بالسحر لا ينافي قولهم * ( إننا لمهتدون ) * ثم بيّن تعالى أنه لما كشف عنهم العذاب نكثوا ذلك العهد . ولما حكى الله تعالى معاملة فرعون مع موسى ، حكى أيضاً معاملة فرعون معه فقال : * ( ونادى فرعون في قومه ) * والمعنى أنه أظهر هذا القول فقال : * ( قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ) * يعني الأنهار التي فصلوها من النيل ومعظمها أربعة نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس ، قيل كانت تجري تحت قصره ، وحاصل الأمر أنه احتج بكثرة أمواله وقوة جاهه على فضيلة نفسه . ثم قال : * ( أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين ) * وعنى بكونه مهيناً كونه فقيراً ضعيف الحال ، وبقوله * ( ولا يكاد يبين ) * حبسة كانت في لسانه ، واختلفوا في معنى أم ههنا فقال أبو عبيدة مجازها بل أنا خير ، وعلى هذا فقد تم الكلام عند قوله * ( أفلا تبصرون ) * ثم ابتدأ فقال : * ( أم أنا خير ) * بمعنى بل أنا خير ، وقال الباقون أم هذه متصلة لأن المعنى أفلا تبصرون أم تبصرون إلا أنه وصع قوله * ( أنا خير ) * موضع تبصرون ، لأنهم إذا قالوا له أنت خير فهم عنده بصراء ، وقال آخرون إن تمام الكلام عند قوله * ( أم ) * وقوله * ( أنا خير ) * ابتداء الكلام والتقدير أفلا تبصرون
تفسير الرازي — صفحة 218 | فخر الدين الرازي