المسألة الرابعة : قالت المعتزلة : دلت الآية على أنه تعالى إنما لم يعط الناس نعم الدنيا ، لأجل أنه لو فعل بهم ذلك لدعاهم ذلك إلى الكفر ، فهو تعالى لم يفعل بهم ذلك لأجل أن يدعوهم إلى الكفر ، وهذا يدل على أحكام أحدها : أنه إذا لم يفعل بهم ما يدعوهم إلى الكفر فلأن لا يخلق فيهم الكفر أولى وثانيها : أنه ثبت أن فعل الله قائم مقام إزاحة العذر والعلة ، فلما بيّن تعالى أنه لم يفعل ذلك إزاحة للعذر والعلة عنهم ، دل ذلك على أنه يجب أن يفعل بهم كل ما كان لطفاً داعياً لهم إلى الإيمان ، فصارت هذه الآية من هذا الوجه دالة على أنه يجب على الله تعالى فعل اللطف وثالثها : أنه ثبت بهذه الآية ، أن الله تعالى إنما يفعل ما يفعله ويترك ما يتركه لأجل حكمة ومصلحة ، وذلك يدل على تعليل أحكام الله تعالى وأفعاله بالمصالح والعلل ، فإن قيل لما بيّن تعالى أنه لو فتح على الكافر أبواب النعم ، لصار ذلك سبباً لاجتماع الناس على الكفر ، فلم لم يفعل ذلك بالمسلمين حتى يصير ذلك سبباً لاجتماع الناس على الإسلام ؟ قلنا لأن الناس على هذا التقدير كانوا يجتمعون على الإسلام لطلب الدنيا ، وهذا الإيمان إيمان المنافقين ، فكان الأصوب أن يضيق الأمر على المسلمين ، حتى أن كل من دخل الإسلام ، فإنما يدخل فيه لمتابعة الدليل ولطلب رضوان الله تعالى ، فحينئذ يعظم ثوابه لهذا السبب .
ثم قال تعالى : * ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين ) * والمراد منه التنبيه على آفات الدنيا ، وذلك أن من فاز بالمال والجاه صار كالأعشى عن ذكر الله ، ومن صار كذلك صار من جلساء الشياطين الضالين المضلين ، فهذا وجه تعلق هذا الكلام بما قبله ، قال صاحب " الكشاف " : قرىء * ( ومن يعش ) * بضم الشين وفتحها ، والفرق بينهما أنه إذا حصلت الآفة في بصره قيل عشي ، وإذا نظر نظر العشي ولا آفة به ، قيل عشى ونظيره عرج لمن به الآفة ، وعرج لمن مشى مشية العرجان من غير عرج ، قال الحطيئة :
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
أي تنظر إليه نظر العشي ، لما يضعف بصرك من عظم الوقود واتساع الضوء ، وقرئ يعشو على أن من موصولة غير مضنة معنى الشرط ، وحق هذا القارئ أن يرفع * ( نقيض ) * ومعنى القراءة بالفتح ، ومن يعم عن ذكر الرحمن وهو القرآن ، كقوله * ( صم بكم عمي ) * ( البقرة : 18 ) وأما القراءة بالضم فمعناها ومن يتعام عن ذكره ، أي يعرف أنه الحق وهو يتجاهل ويتعامى ، كقوله تعالى : * ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ) * ( النمل : 14 ) ، و * ( نقيض له شيطاناً ) * قال مقاتل : نضم إليه شيطاناً * ( فهو له قرين ) * .
ثم قال : * ( وإنهم ليصدونهم عن السبيل ) * يعني وإن الشياطين ليصدونهم عن سبيل الهدى والحق وذكر الكناية عن الإنسان والشياطين بلفظ الجمع ، لأن قوله * ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً ) * يفيد الجمع ، وإن كان اللفظ على الواحد * ( ويحسبون أنهم مهتدون ) * يعني الشياطين يصدون الكفار عن السبيل ، والكفار يحسبون أنهم مهتدون ، ثم عاد إلى لفظ الواحد ، فقال :
تفسير الرازي — صفحة 212
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢١٢