* وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قُلْ أَوَ لَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ ءَابَآءَكُمْ قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) * .
اعلم أنه تعالى حكى نوعاً آخر من كفرهم وشبهاتهم ، وهو أنهم قالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : قالت المعتزلة هذه الآية تدل على فساد قول المجبرة في أن كفر الكافر يقع بإرادة الله من وجهين الأول : أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا * ( لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) * وهذا صريح قول المجبرة ، ثم إنه تعالى أبطله بقوله * ( ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون ) * فثبت أنه حكى مذهب المجبرة ، ثم أردفه بالإبطال والإفساد ، فثبت أن هذا المذهب باطل ، ونظيره قوله تعالى في سورة الأنعام : * ( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ) * إلى قوله * ( قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون ) * ، ( الأنعام : 148 ) والوجه الثاني : أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنواع كفرهم فأولها : قوله * ( وجعلوا له من عباده جزءاً ) * ( الزخرف : 15 ) ، وثانيها : قوله * ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ) * ( الزخرف : 19 ) ، وثالثها : قوله تعالى : * ( وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) * فلما حكى هذه الأقاويل الثلاثة بعضها على إثر بعض ، وثبت أن القولين الأولين كفر محض فكذلك هذا القول الثالث يجب أن يكون كفراً ، واعلم أن الواحدي أجاب في " البسيط " عنه من وجهين الأول : ما ذكره الزجاج : وهو أن قوله تعالى : * ( ما لهم بذلك من علم ) * عائد إلى قولهم الملائكة إناث وإلى قولهم الملائكة بنات الله والثاني : أنهم أرادوا بقولهم * ( لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) * أنه أمرنا بذلك ، وأنه رضي بذلك ، وأقرنا عليه ، فأنكر ذلك عليهم ، فهذا ما ذكره الواحدي في الجواب ، وعندي هذان الوجهان ضعيفان أما الأول : فلأنه تعالى حكى عن القوم قولين باطلين ، وبين وجه بطلانهما ، ثم حكى بعده مذهباً ثالثاً في مسألة أجنبية عن المسألتين الأوليين ، ثم حكم بالبطلان والوعيد فصرف هذا الإبطال عن هذا الذي ذكره عقيبه إلى كلام متقدم أجنبي عنه في غاية البعد وأما الوجه الثاني : فهو أيضاً ضعيف ، لأن قوله * ( لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) * ليس فيه بيان متعلق بتلك المشيئة ، والإجمال خلاف الدليل ، فوجب أن يكون التقدير لو شاء الله ألا نعبدهم ما عبدناهم ، وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره ، فهذا يدل على أنه لم توجد مشيئة الله لعدم عبادتهم ، وهذا عين مذهب المجبرة ، فالإبطال والإفساد يرجع إلى هذا
تفسير الرازي — صفحة 204
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٠٤