تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
عليك فالإنذار بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليس كعدم الإنذار لأن أحدهما مخرج له عن العهدة وسبب في زيادة سيادته عاجلاً وسعادته آجلاً ، وأما بالنسبة إليهم على السواء فإنذار النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج عما عليه وينال ثواب الإنذار وإن لم ينتفعوا به لما كتب عليهم من البوار في دار القرار . * ( إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخشِىَ الرَّحْمانَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ ) * . ثم قال تعالى : * ( إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم ) * والترتيب ظاهر وفي التفسير مسائل : المسألة الأولى : قال من قبل : * ( لتنذر ) * وذلك يقتضي الإنذار العام على ما بينا وقال : * ( إنما تنذر ) * وهو يقضي التخصيص فكيف الجمع بينهما ؟ نقول من وجوه : الأول : هو أن قوله : * ( لتنذر ) * أي كيفما كان سواء كان مفيداً أو لم يكن وقوله : * ( إنما تنذر ) * أي الإنذار المفيد لا يكون إلا بالنسبة إلى من يتبع الذكر ويخشى الثاني : هو أن الله تعالى لما قال إن الإرسال والإنزال ، وذكر أن الإنذار وعدمه سيان بالنسبة إلى أهل العناد قال لنبيه : ليس إنذارك غير مفيد من جميع الوجوه فأنذر على سبيل العموم وإنما تنذر بذلك الإنذار العام من يتبع الذكر كأنه يقول : يا محمد إنك بإنذارك تهدي ولا تدري من تهدي فأنذر الأسود والأحمر ومقصودك من يتبع إنذارك وينتفع بذكراك الثالث : هو أن نقول قوله : * ( لتنذر ) * أي أولاً فإذا أنذرت وبالغت وبلغت واستهزأ البعض وتولى واستكبر وولى ، فأعرض بعد ذلك فإنما تنذر الذين اتبعوك الرابع : وهو قريب من الثالث إنك تنذر الكل بالأصول ، وإنما تنذر بالفروع من ترك الصلاة والزكاة من اتبع الذكر وآمن . المسألة الثانية : قوله : * ( من اتبع الذكر ) * يحتمل وجوهاً الأول : وهو المشهور من اتبع القرآن الثاني : من اتبع ما في القرآن من الآيات ويدل عليه قوله تعالى : * ( والقرآن ذي الذكر ) * فما جعل القرآن نفس الذكر الثالث : من اتبع البرهان فإنه ذكر يكمل الفطرة وعلى كل وجه فمعناه : إنما تنذر العلماء الذين يخشون وهو كقوله تعالى : * ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) * وكقوله تعالى : * ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * فقوله : * ( اتبع الذكر ) * أي آمن ، وقوله : * ( وخشي الرحمن ) * أي عمل صالحاً وهذا الوجه يتأيد بقوله : * ( فبشره بمغفرة وأجر كريم ) * لأنا ذكرنا مراراً أن الغفران جزاء الإيمان فكل مؤمن مغفور والأجر الكريم جزاء العمل كما قال تعالى : * ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم ) * وتفسير الذكر بالقرآن يتأيد بتعريف الذكر بالألف واللام ، وقد تقدم ذكر القرآن في قوله تعالى : * ( والقرآن الحكيم ) * وقوله : * ( وخشي الرحمن ) * فيه لطيفة وهي أن الرحمة تورث الاتكال والرجاء فقال مع أنه رحمن ورحيم فالعاقل
تفسير الرازي — صفحة 47 | فخر الدين الرازي