تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
عبارة عن عدم الانقياد فإن المنقاد يقال فيه إنه وضع رأسه على الخط وخضع عنقه والذي في رقبته الغل الثخين إلى الذقن لا يطأطئ رأسه ولا يحركه تحريك المصدق ، ويصدق هذا قوله : * ( مقمحون ) * فإن المقمح هو الرافع رأسه كالمتأبي يقال بعير قامح إذا رفع رأسه فلم يشرب الماء ولم يطأطئه للشرب والإيمان كالماء الزلال الذي به الحياة وكأنه تعالى قال : * ( إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهم مقمحون ) * لا يخضعون الرقاب لأمر الله . * ( وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً ومِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ ) * . وعلى هذا فقوله تعالى : * ( وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون ) * . يكون متمماً لمعنى جعل الله إياهم مغلولين لأن قوله : * ( وجعلنا من بين أيديهم سداً ) * إشارة إلى أنهم لا ينتهجون سبيل الرشاد فكأنه قال لا يبصرون الحق فينقادون له لمكان السد ولا ينقادون لك فيبصرون الحق فينقادون له لمكان الغل والإيمان المورث للإيقان . إما باتباع الرسول أولاً فتلوح له الحقائق ثانياً وإما بظهور الأمور أولاً واتباع الرسول ثانياً ، ولا يتبعون الرسول أولاً لأنهم مغلولون فلا يظهر لهم الحق من الرسول ثانياً ، ولا يظهر لهم الحق أولاً لأنهم واقعون في السد فلا يتبعون الرسول ثانياً وفيه وجه آخر : وهو أن يقال المانع ، إما أن يكون في النفس ، وإما أن يكون خارجاً عنها ، ولهم المانعان جميعاً من الإيمان ، أما في النفس فالغل ، وأما من الخارج فالسد ، ولا يقع نظرهم على أنفسهم فيرون الآيات التي في أنفسهم كما قال تعالى : * ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ) * وذلك لأن المقمح لا يرى نفسه ولا يقع بصره على يديه ، ولا يقع نظرهم على الآفاق لأن من بين السدين لا يبصرون الآفاق فلا تبين لهم الآيات التي في الآفاق وعلى هذا فقوله : * ( إنا جعلنا في أعناقهم ) * * ( وجعلنا من بين أيديهم ) * إشارة إلى عدم هدايتهم لآيات الله في الأنفس والآفاق ، وفي تفسير قوله تعالى : * ( وجعلنا من بين أيديهم سداً ) * مسائل : المسألة الأولى : السد من بين الأيدي ذكره ظاهر الفائدة فإنهم في الدنيا سالكون وينبغي أن يسلكوا الطريقة المستقيمة * ( ومن بين أيديهم سداً ) * فلا يقدرون على السلوك ، وأما السد من خلفهم ، فما الفائدة فيه ؟ فنقول الجواب عنه من وجوه الأول : هو أن الإنسان له هداية فطرية والكافر قد يتركها وهداية نظرية والكافر ما أدركها فكأنه تعالى يقول : * ( جعلنا من بين أيديهم سداً ) * فلا يرجعون إلى الهداية الجبلية التي هي الفطرية الثاني : هو أن الإنسان مبدأه من الله ومصيره إليه فعمى الكافر لا يبصر ما بين يديه من