المسألة الثانية : قال الجبائي الآية تدل على أنه تعالى ما أعطاه الملك وإلا لكان ذلك بحق وهكذا كل متغلب ، لا كما ادعى ملوك بني أمية عند تغلبهم أن ملكهم من الله تعالى فإن الله تعالى قد بين في كل غاصب لحكم الله أنه أخذ ذلك بغير حق ، واعلم أن هذا ضعيف لأن وصول ذلك الملك إليه ، إما أن يكون منه أو من الله تعالى ، أو لا منه ولا من الله تعالى ، فإن كان منه فلم لم يقدر عليه غيره ، فربما كان العاجز أقوى وأعقل بكثير من المتولي للأمر ؟ وإن كان من الله تعالى فقد صح الغرض ، وإن كان من سائر الناس فلم اجتمعت دواعي الناس على نصرة أحدهما وخذلان الآخر ؟ واعلم أن هذا أظهر من أن يرتاب فيه العاقل .
أما قوله : * ( وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون ) * فهذا يدل على أنهم كانوا عارفين بالله تعالى إلا أنهم كانوا ينكرون البعث فلأجل ذلك تمردوا وطغوا .
أما قوله : * ( فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم ) * فهو من الكلام المفحم الذي دل به على عظم شأنه وكبرياء سلطانه ، شبههم استحقاراً لهم واستقلالاً لعددهم ، وإن كانوا الكبير الكثير والجم الغفير بحصيات أخذهن آخذ في كفه فطرحهن في البحر ونحو ذلك وقوله : * ( وجعلنا فيها رواسي شامخات ) * ( المرسلات : 27 ) * ( وحملت الأرض والجبال . فدكتا دكة واحدة ) * ( الحاقة : 14 ) * ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ) * ( الزمر : 67 ) سبحانه وتعالى وليس الغرض منه إلا تصوير أن كل مقدور وإن عظم فهو حقير بالقياس إلى قدرته .
أما قوله : * ( وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ) * فقد تمسك به الأصحاب في كونه تعالى خالقاً للخير والشر ، قال الجبائي المراد بقوله : * ( وجعلناهم ) * أي بينا ذلك من حالهم وسميناهم به ، ومنه قوله : * ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ) * ( الزخرف : 19 ) وتقول أهل اللغة في تفسير فسقه وبخله جعله فاسقاً وبخيلاً ، لا أنه خلقهم أئمة لأنهم حال خلقهم لهم كانوا أطفالاً ، وقال الكعبي : إنما قال : * ( وجعلناهم أئمة ) * من حيث خلى بينهم وبين ما فعلوه ولم يعاجل بالعقوبة ، ومن حيث كفروا ولم يمنعهم بالقسر ، وذلك كقوله : * ( فزادتهم رجساً ) * ( التوبة : 125 ) لما زادوا عندها ونظير ذلك أن الرجل يسأل ما يثقل عليه ، وإن أمكنه فإذا بخل به قيل للسائل جعلت فلاناً بخيلاً أي قد بخلته ، وقال أبو مسلم معنى الإمامة التقدم فلما عجل الله تعالى لهم العذاب صاروا متقدمين لمن وراءهم من الكافرين . واعلم أن الكلام فيه قد تقدم في سورة مريم ( 83 ) في قوله : * ( أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين ) * ومعنى دعوتهم إلى النار دعوتهم إلى موجباتها من الكفر والمعاصي فإن أحداً لا يدعو إلى النار البتة ، وإنما جعلهم الله تعالى أئمة في هذا الباب لأنهم بلغوا في هذا الباب أقصى النهايات ، ومن كان كذلك استحق أن يكون إماماً يقتدى به في ذلك الباب ، ثم بين تعالى أن ذلك العقاب سينزل بهم على وجه لا يمكن التخلص منه وهو معنى قوله : * ( ويوم القيامة لا ينصرون ) * أو يكون معناه ويوم القيامة لا ينصرون كما ينصر الأئمة الدعاة إلى الجنة .
تفسير الرازي — صفحة 254
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٥٤