تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
أما قوله : * ( عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ) * فهو نظير قول جده إبراهيم عليه السلام : * ( إني ذاهب إلى ربي سيهدين ) * ( الصافات : 99 ) وموسى عليه السلام قلما يذكر كلاماً في الاستدلال والجواب والدعاء والتضرع إلا ما ذكره إبراهيم عليه السلام ، وهكذا الخلف الصدق للسلف الصالح صلوات الله عليهم وعلى جميع الطيبين المطهرين * ( ولما ورد ماء مدين ) * وهو الماء الذي يسقون منه وكان بئراً فيما روي ووروده مجيئه والوصول إليه * ( وجد عليه ) * أي فوق شفيره ومستقاه * ( أمة ) * جماعة كثيرة العدد * ( من الناس ) * من أناس مختلفين * ( ووجد من دونهم ) * في مكان أسفل من مكانهم * ( امرأتين تذودان ) * والذود الدفع والطرد فقوله ( تذودان ) أي تحبسان ثم فيه أقوال : الأول : تحبسان أغنامهما واختلفوا في علة ذلك الحبس على وجوه : أحدها : قال الزجاج لأن على الماء من كان أقوى منهما فلا يتمكنان من السقي وثانيها : كانتا تكرهان المزاحمة على الماء وثالثها : لئلا تختلط أغنامهما بأغنامهم ورابعها : لئلا تختلطا بالرجال القول الثاني : كانتا تذودان عن وجوههما نظراً الناظر ليراهما والقول الثالث : تذودان الناس عن غنمهما القول الرابع : قال الفراء تحبسانها عن أن تتفرق وتتسرب * ( قال ما خطبكما ) * أي ما شأنكما وحقيقته ما مخطوبكما أي مطلوبكما من الذياد فسمى المخطوب خطباً كما يسمى المشئون شأناً في قولك ما شأنك * ( فقالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ) * وذلك يدل على ضعفهما عن السقي من وجوه : أحدها : أن العادة في السقي للرجال ، والنساء يضعفن عن ذلك وثانيها : ما ظهر من ذودهما الماشية على طريق التأخير وثالثها : قولهما حتى يصدر الرعاء ورابعها : انتظارهما لما يبقى من القوم من الماء وخامسها : قولهما : * ( وأبونا شيخ كبير ) * ودلالة ذلك على أنه لو كان قوياً حضر ولو حضر لم يتأخر السقي ، فعند ذلك سقى لهما قبل صدر الرعاء ، وعادتا إلى أبيهما قبل الوقت المعتاد . قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الياء وضم الدال ، وقرأ الباقون بضم الياء ، وكسر الدال فالمعنى في القرارة الأولى حتى ينصرفوا عن الماء ويرجعوا عن سقيهم وصدر ضد ورد ، ومن قرأ بضم الياء فالمعنى في القراءة حتى يصدر القوم مواشيهم . أما قوله : * ( فسقى لهما ) * أي سقى غنمهما لأجلهما ، وفي كيفية السقي أقوال : أحدها : أنه عليه السلام سأل القوم أن يسمحوا فسمحوا وثانيهما : قال قوم عمد إلى بئر على رأسه صخرة لا يقلها إلا عشرة ، وقيل أربعون ، وقيل مائة فنحاها بنفسه واستقى الماء من ذلك البئر وثالثها : أن القوم لما زاحمهم موسى عليه السلام تعمدوا إلقاء ذلك الحجر على رأس البئر فهو عليه السلام رمى ذلك الحجر وسقى لهما وليس بيان ذلك في القرآن والله أعلم بالصحيح منه ، لكن المرأة وصفت موسى عليه السلام بالقوة فدل ذلك على أنها شاهدت منه ما يدل على فضل قوته ، وقال تعالى : * ( ثم تولى إلى الظل ) * وفيه دلالة على أنه سقى لهما في شمس وحر ، وفيه دلالة أيضاً على كمال قوة موسى عليه السلام ، قال الكلبي : أتى موسى أهل الماء فسألهم دلواً من ماء ، فقالوا له إن