تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
طباخ فرعون ، استسخره لحمل الحطب إلى مطبخه ، وقيل الرجلان المقتتلان : أحدهما السامري وهو الذي من شيعته ، والآخر طباخ فرعون والله أعلم بكيفية الحال ، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ، أي سأله أن يخلصه منه واستنصره عليه ، فوكزه موسى عليه السلام ، الوكز الدفع بأطراف الأصابع ، وقيل بجمع الكف . وقرأ ابن مسعود : ( فلكزه موسى ) ، وقال بعضهم : الوكز في الصدر واللكز في الظهر ، وكان عليه السلام شديد البطش ، وقال بعض المفسرين : فوكزه بعصاه ، قال المفضل هذا غلط ، لأنه لا يقال وكزه بالعصا * ( فقضى عليه ) * أي أماته وقتله . المسألة الرابعة : احتج بهذه الآية من طعن في عصمة الأنبياء عليه السلام من وجوه : أحدها : أن ذلك القبطي إما أن يقال إنه كان مستحق القتل أو لم يكن كذلك ، فإن كان الأول فلم قال : * ( هذا من عمل الشيطان ) * ولم قال : * ( رب إني ظلمت نفس فاغفر لي فغفر له ) * ولم قال في سورة أخرى * ( فعلتها إذاً وأنا من الضالين ) * ( الشعراء : 20 ) ؟ وإن كان الثاني وهو أن ذلك القبطي لم يكن مستحق القتل كان قتله معصية وذنباً وثانيها : أن قوله : * ( وهذا من عدوه ) * يدل على أنه كان كافراً حربياً فكان دمه مباحاً فلم استغفر عنه ، والاستغفار عن الفعل المباح غير جائز ، لأنه يوهم في المباح كونه حراماً ؟ وثالثها : أن الوكز لا يقصد به القتل ظاهراً ، فكان ذلك القتل قتل خطأ ، فلم استغفر منه ؟ والجواب : عن الأول لم لا يجوز أن يقال إنه كان لكفره مباح الدم . أما قوله : * ( هذا من عمل الشيطان ) * ففيه وجوه : أحدها : لعل الله تعالى وإن أباح قتل الكافر إلا أنه قال الأولى تأخير قتلهم إلى زمان آخر ، فلما قتل فقد ترك ذلك المندوب فقوله : * ( هذا من عمل الشيطان ) * معناه إقدامي على ترك المندوب من عمل الشيطان وثانيها : أن قوله ( هذا ) إشارة إلى عمل المقتول لا إلى عمل نفسه فقوله : * ( هذا من عمل الشيطان ) * أي عمل هذا المقتول من عمل الشيطان ، المراد منه بيان كونه مخالفاً لله تعالى مستحقاً للقتل وثالثها : أن يكون قوله ( هذا ) إشارة إلى المقتول ، يعني أنه من جند الشيطان وحزبه ، يقال فلان من عمل الشيطان ، أي من أحزابه . أما قوله : * ( رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي ) * فعلى نهج قول آدم عليه السلام : * ( ربنا ظلمنا أنفسنا ) * ( الأعراف : 23 ) والمراد أحد وجهين ، إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه ، وإن لم يكن هناك ذنب قط ، أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب . أما قوله : * ( فاغفر لي ) * أي فاغفر لي ترك هذا المندوب ، وفيه وجه آخر ، وهو أن يكون المراد رب إني ظلمت نفسي حيث قتلت هذا الملعون ، فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به * ( فاغفر لي ) * أي فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون * ( فغفر له ) * أي ستره عن الوصول إلى فرعون ، ويدل على هذا التأويل أنه على عقبه قال : * ( رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين ) * ولو كانت إعانة المؤمن ههنا سبباً للمعصية لما قال ذلك . وأما قوله : * ( فعلتها إذاً وأنا من الضالين ) * فلم يقل إني صرت بذلك ضالاً ، ولكن فرعون لما