تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
سليمان ) * فأمرتها بالدخول في مساكنها لئلا ترى تلك النعم فلا تقع في كفران نعمة الله تعالى ، وهذا تنبيه على أن مجالسة أرباب الدنيا محذورة ورابعها : قرىء ( مسكنكم ) و ( لا يحطمنكم ) بتخفيف النون ، وقرئ ( لا يحطمنكم ) بفتح الطاء وكسرها وأصلها يحطمنكم . أما قوله تعالى : * ( فتبسم ضاحكاً من قولها ) * يعني تبسم شارعاً في الضحك ( وآخذاً فيه ) ، بمعنى أنه قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك ، وإنما ضحك لأمرين : أحدهما : إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده ( وشفقتهم ) وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى ، وذلك قولها : * ( وهم لا يشعرون ) * والثاني : سروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحداً من سماعه لكلام النملة وإحاطته بمعناه . أما قوله تعالى : * ( رب أوزعني ) * فقال صاحب " الكشاف " : حقيقة أوزعني : اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأكفه عن أن ينقلب عني ، حتى أكون شاكراً لك أبداً ، وهذا يدل على مذهبنا فإن عند المعتزلة كل ما أمكن فعله من الألطاف فقد صارت مفعولة وطلب تحصيل الحاصل عبث . وأما قوله تعالى : * ( وعلى والدي ) * فذلك لأنه عد نعم الله تعالى على والديه نعمة عليه . ومعنى قوله : * ( وأن أعمل صالحاً ترضاه ) * طلب الإعانة في الشكر وفي العمل الصالح ، ثم قال : * ( وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) * فلما طلب في الدنيا الإعانة على الخيرات طلب أن يجعل في الآخرة من الصالحين ، وقوله : * ( برحمتك ) * يدل على أن دخول الجنة برحمته وفضله لا باستحقاق من جانب العبد واعلم أن سليمان عليه السلام طلب ما يكون وسيلة إلى ثواب الآخرة أولاً ثم طلب ثواب الآخرة ثانياً ، أما وسيلة الثواب فهي أمران : أحدهما : شكر النعمة السالفة والثاني : الاشتغال بسائر أنواع الخدمة ، أما الاشتغال بشكر النعمة السالفة ، فهي قوله تعالى : * ( رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ) * ولما كان الإنعام على الآباء إنعاماً على الأبناء لأن انتساب الابن إلى أب شريف نعمة من الله تعالى على الابن ، لا جرم اشتغل بشكر نعم الله على الآباء بقوله : * ( وعلى والدي ) * وأما الاشتغال بسائر أنواع الخدمة ، فقوله : * ( وأن أعمل صالحاً ترضاه ) * وأما طلب ثواب الآخرة فقوله : * ( وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) * فإن قيل درجات الأنبياء أعظم من درجات الأولياء والصالحين ، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين فقال يوسف : * ( توفني مسلماً وألحقني بالصالحين ) * وقال سليمان : * ( أدخلني برحمتك في عبادك الصالحين ) * ؟ جوابه : الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله ولا يهم بمعصية وهذه درجة عالية ، والله أعلم . قوله تعالى * ( وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ * لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً