والأقرب أن يكون المراد بأن يظهر لهم علامات الهلاك ، فعند ذلك يحصل منهم الحسرة والندامة على ترك القبول ، ويكون الوقت وقت إيمان اليأس فلا ينتفعون بالندامة ، وبين تعالى الهلاك الذي أنزله عليهم بقوله : * ( فأخذتهم الصيحة بالحق ) * وذكروا في الصيحة وجوهاً : أحدها : أن جبريل عليه السلام صاح بهم ، وكانت الصيحة عظيمة فماتوا عندها وثانيها : الصيحة هي الرجفة عن ابن عباس رضي الله عنهما وثالثها : الصيحة هي نفس العذاب والموت كما يقال فيمن يموت : دعي فأجاب عن الحسن ورابعها : أنه العذاب المصطلم ، قال الشاعر : صاخ الزمان بآل برمك صيحة * خروا لشدتها على الأذقان
والأول أولى لأنه هو الحقيقة .
وأما قوله : * ( بالحق ) * فمعناه أنه دمرهم بالعدل من قولك ، فلان يقضي بالحق إذا كان عادلاً في قضاياه . وقال المفضل : بالحق أي بما لا يدفع ، كقوله : * ( وجاءت سكرة الموت بالحق ) * .
أما قوله : * ( فجعلناهم غثاء ) * فالغثاء حميل السيل مما بلي واسود من الورق والعيدان ، ومنه قوله تعالى : * ( فجعله غثاء أحوى ) * .
وأما قوله تعالى : * ( فبعداً للقوم الظالمين ) * ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قوله : * ( بعداً ) * وسحقاً ودمراً ونحوها مصادر موضوعة مواضع أفعالها ، وهي من جملة المصادر التي قال سيبويه نصبت بأفعال لا يستعمل إظهارها ومعنى بعداً بعدوا ، أي هلكوا يقال بعد بعداً وبعداً بفتح العين نحو رشد رشداً ورشداً بفتح الشين والله أعلم .
المسألة الثانية : قوله : * ( بعداً ) * بمنزلة اللعن الذي هو التبعيد من الخير ، والله تعالى ذكر ذلك على وجه الاستخفاف والإهانة لهم ، وقد نزل بهم العذاب دالاً بذلك على أن الذي ينزل بهم في الآخرة من البعد من النعيم والثواب أعظم مما حل بهم حالاً ليكون ذلك عبرة لمن يجيء بعدهم . القصة الثالثة
قوله تعالى
* ( ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً ءَاخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَاخِرُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ ) * .
تفسير الرازي — صفحة 99
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٩٩