تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
مثلكم يأكل مما تأكلون منه ، ويشرب مما تشربون ) * ، وقد مر شرح هذه الشبهة في القصة الأولى وقوله : * ( مما تشربون ) * أي من مشروبكم أو حذف منه لدلالة ما قبله عليه وهو قوله : * ( ولئن أطعتم بشراً مثلكم إنكم إذاً لخاسرون ) * فجعلوا اتباع الرسول خسراناً ، ولم يجعلوا عبادة الأصنام خسراناً ، أي لئن كنتم أعطيتموه الطاعة من غير أن يكون لكم بإزائها منفعة فذلك هو الخسران وثانيهما : أنهم طعنوا في صحة الحشر والنشر ، ثم طعنوا في نبوته بسبب إتيانه بذلك . أما الطعن في صحة الحشر فهو قولهم : * ( أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون ) * معادون أحياء للمجازاة ، ثم لم يقتصروا على هذا القدر حتى قرنوا به الاستبعاد العظيم وهو قولهم * ( هيهات هيهات لما توعدون ) * ثم أكدوا الشبهة بقولهم : * ( إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ) * ولم يريدوا بقولهم نموت ونحيا الشخص الواحد ، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا ، وأنه لا إعادة ولا حشر . فلذلك قالوا : * ( وما نحن له بمبعوثين ) * ولما فرغوا من الطعن في صحة الحشر بنوا عليه الطعن في نبوته ، فقالوا لما أتى بهذا الباطل فقد * ( افترى على الله كذباً ) * ثم لما قرروا الشبهة الطاعنة في نبوته قالوا : * ( وما نحن له بمؤمنين ) * لأن القوم كالتبع لهم ، واعلم أن الله تعالى ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أما الشبهة الأولى : فقد تقدم بيان ضعفها وأما الثانية : فلأنهم استبعدوا الحشر ، ولا يستبعد الحشر لوجهين : الأول : أنه سبحانه لما كان قادراً على كل الممكنات عالماً بكل المعلومات وجب أن يكون قادراً على الحشر والنشر والثاني : وهو أنه لولا الإعادة لكن تسليط القوى على الضعيف في الدنيا ظلماً . وهو غير لائق بالحكيم على ما قرره سبحانه في قوله : * ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى ) * ( طه : 15 ) وههنا مسائل : المسألة الأولى : ثنى إنكم للتوكيد وحسن ذلك الفصل ما بين الأول والثاني بالظرف ، ومخرجون خبر عن الأول . وفي قراءة ابن مسعود : * ( وكنتم تراباً وعظاماً أنكم مخرجون ) * ( المؤمنون : 35 ) . المسألة الثانية : قرىء * ( هيهات ) * بالفتح والكسر ، كلها بتنوين وبلا تنوين ، وبالسكون على لفظ الوقف . المسألة الثالثة : هي في قوله : * ( إن هي إلا حياتنا الدنيا ) * ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه وأصله : إن الحياة إلا حياتنا الدنيا ، ثم وضع هي موضع الحياة ، لأن الخبر يدل عليه ومنه ( قول الشاعر ) : والمعنى لا حياة إلا هذه الحياة ، ولأن إن النافية دخلت على هي التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فنفتها ، فوازنت لا التي نفت ما بعدها نفي الجنس . واعلم أن ذلك الرسول لما يئس من قبول الأكابر والأصاغر فزع إلى ربه وقال : * ( رب انصرني بما كذبون ) * وقد تقدم تفسيره فأجابه الله تعالى فيما سأل وقال : * ( عما قليل ليصبحن نادمين ) * ( المؤمنون : 40 )