واعلم أنه سبحانه أمر الرجال بغض البصر وحفظ الفرج ، وأمر النساء بمثل ما أمر به الرجال وزاد فيهن أن لا يبدين زينتهن إلا لأقوام مخصوصين .
أما قوله تعالى : * ( يغضوا من أبصارهم ) * ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الأكثرون ( من ) ههنا للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل ، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة ، ونظيره قوله : * ( ما لكم من إله غيره ) * ( الأعراف : 85 ) * ( فما منكم من أحد عنه حاجزين ) * ( الحاقة : 47 ) وأباه سيبويه ، فإن قيل كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفرج ؟ قلنا دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وكذا الجواري المستعرضات ، وأما أمر الفرج فمضيق ، وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى منه ، ومنهم من قال : * ( يغضوا من أبصارهم ) * أي ينقصوا من نظرهم فالبصر إذا لم يمكن من عمله فهو مغضوض ممنوع عنه ، وعلى هذا من ليست بزائدة ولا هي للتبعيض بل هي من صلة الغض يقال غضضت من فلان إذا نقصت من قدره .
المسألة الثانية : اعلم أن العورات على أربعة أقسام عورة الرجل مع الرجل وعورة المرأة مع المرأة وعورة المرأة مع الرجل وعورة الرجل مع المرأة ، فأما الرجل مع الرجل فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه إلا عورته وعورته ما بين السرة والركبة ، والسرة والركبة ليستا بعورة ، وعند أبي حنيفة رحمه الله الركبة عورة ، وقال مالك الفخذ ليست بعورة ، والدليل على أنها عورة ما روي عن حذيفة " أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به في المسجد وهو كاشف عن فخذه فقال عليه السلام غط فخذك فإنها من العورة " وقال لعلي رضي الله عنه : " لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت " فإن كان في نظره إلى وجهه أو سائر بدنه شهوة أو خوف فتنة بأن كان أمرد لا يحل النظر إليه ، ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل ، وإن كان كل واحد منهما في جانب من الفراش ، لما روى أبو سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال : " لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد " وتكره المعانقة وتقبيل الوجه إلا لولده شفقة ، وتستحب المصافحة لما روى أنس قال : " قال رجل يا رسول الله الرجل منا يلقي أخاه أو صديقه أينحني له ؟ قال لا ، قال أيلتزمه ويقبله ؟ قال لا ، قال أفيأخذ بيده ويصافحه ؟ قال نعم " أما عورة المرأة مع المرأة فكعورة الرجل مع الرجل ، فلها النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة ، وعند خوف الفتنة لا يجوز ، ولا يجوز المضاجعة . والمرأة الذمية هل يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة ، قيل يجوز كالمسلمة مع المسلمة ، والأصح أنه لا يجوز لأنها أجنبية ، في الدين والله تعالى يقول : * ( أو نسائهن ) * وليست الذمية من نسائنا ، أما عورة المرأة مع الرجل فالمرأة إما أن تكون أجنبية أو ذات رحم محرم ، أو مستمتعة ، فإن كانت أجنبية فإما أن تكون حرة أو أمة فإن كانت حرة فجميع بدنها عورة ، ولا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين ، لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه في البيع والشراء ، وإلى إخراج
تفسير الرازي — صفحة 202
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٠٢