تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
الدهر ، أما قوله : * ( وأنزلنا فيها آيات بينات ) * ففيه وجوه : أحدها : أنه سبحانه ذكر في أول السورة أنواعاً من الأحكام والحدود وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله : * ( وفرضناها ) * إشارة إلى الأحكام التي بينها أولاً ثم قوله : * ( وأنزلنا فيها آيات بينات ) * إشارة إلى ما بين من دلائل التوحيد ، والذي يؤكد هذا التأويل قوله : * ( لعلكم تذكرون ) * فإن الأحكام والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكيرها . أما دلائل التوحيد فقد كانت كالمعلومة لهم لظهورها فأمروا بتذكيرها . وثانيها : قال أبو مسلم يجوز أن تكون الآيات البينات ما ذكر فيها من الحدود والشرائع كقوله : * ( رب اجعل لي آية قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليل سوياً ) * ( آل عمران : 41 ) سأل ربه أن يفرض عليه عملاً وثالثها : قال القاضي إن السورة كما اشتملت على عمل الواجبات فقد اشتملت على كثير من المباحثات بأن بينها الله تعالى ، ولما كان بيانه سبحانه لها مفصلاً وصف الآيات بأنها بينات . أما قوله تعالى : * ( لعلكم تذكرون ) * فقرئ بتشديد الذال وتخفيفها ، ومعنى لعل قد تقدم في سورة البقرة ، قال القاضي لعل بمعنى كي ، وهذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يتذكروا والجواب : أنه سبحانه لو أراد ذلك من الكل لما قوى دواعيهم إلى جانب المعصية ، ولو لم توجد تلك التقوية لزم وقوع الفعل لا لمرجح ، ولو جاز ذلك لما جاز الاستدلال بالإمكان والحدوث على وجود المرجح ويلزم نفي الصانع ، وإذا كان كذلك وجب حمل لعل على سائر الوجوه المذكورة في سورة البقرة واعلم أنه سبحانه ذكر في هذه السورة أحكاماً كثيرة : الحكم الأول قوله تعالى * ( الزَّانِيَةُ واَلزَّانِى فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) * . إعلم أن قوله تعالى : * ( الزانية والزاني ) * رفعهما على الابتداء والخبر محذوف عند الخليل وسيبويه على معنى : فيما فرض الله عليكم الزانية والزاني أي فاجلدوهما ، ويجوز أن يكون الخبر فاجلدوا وإنما دخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وتضمنه معنى الشرط تقديره التي زنت والذي زنى فاجلدوهما كما تقول من زنا فاجلدوه ، وقرئ بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر ، وقرئ والزان بلا ياء ، واعلم أن الكلام في هذه الآية على نوعين : أحدهما : ما يتعلق
تفسير الرازي — صفحة 130 | فخر الدين الرازي