تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
وحسن ثواب الآخرة ) * ( آل عمران : 148 ) . * ( وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) * ( العنكبوت : 27 ) لأنهم إذا سورع لهم بها فقد سارعوا في نيلها وتعجلوها ، وهذا الوجه أحسن طباقاً للآية المتقدمة ، لأن فيه إثبات ما نفي عن الكفار للمؤمنين وقرئ يسرعون في الخيرات . أما قوله : * ( وهم لها سابقون ) * فالمعنى فاعلون السبق لأجلها أو سابقون الناس لأجلها أو وهم لها سابقون أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا ، ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر . والمعنى وهم لها كما يقال أنت لها وهي لك ، ثم قال سابقون أي وهم سابقون . قوله تعالى * ( وَلاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * بَلْ قُلُوبُهُمْ فِى غَمْرَةٍ مِّنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِّن دُونِ ذلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ * حَتَّى إِذَآ أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْارُونَ * لاَ تَجْارُواْ الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِّنَّا لاَ تُنصَرُونَ ) * . اعلم أنه سبحانه لما ذكر كيفية أعمال المؤمنين المخلصين ذكر حكمين من أحكام أعمال العباد فالأول : قوله : * ( ولا نكلف نفساً إلا وسعها ) * وفي الوسع قولان : أحدهما : أنه الطاقة عن المفضل والثاني : أنه دون الطاقة وهو قول المعتزلة ومقاتل والضحاك والكلبي واحتجوا عليه بأن الوسع إنما سمى وسعاً لأنه يتسع عليه فعله ولا يصعب ولا يضيق ، فبين أن أولئك المخلصين لم يكلفوا أكثر مما عملوا . قال مقاتل من لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً ومن لم يستطع جالساً فليوم إيماء لأنا لا نكلف نفساً إلا وسعها ، واستدلت المعتزلة به في نفي تكليف ما لا يطاق وقد تقدم القول فيه الثاني : قوله : * ( ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون ) * ونظيره قوله * ( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ) * ( الجاثية : 29 ) وقوله : * ( لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) * ( الكهف : 49 ) . واعلم أنه تعالى شبه الكتاب بمن يصدر عنه البيان فإن الكتاب لا ينطق لكنه يعرب بما فيه كما يعرب وينطق الناطق إذا كان محقاً ، فإن قيل هؤلاء الذين يعرض عليهم ذلك الكتاب إما أن يكونوا محيلين الكذب على الله تعالى أو مجوزين ذلك عليه ، فإن أحالوه عليه فإنهم يصدقونه في كل ما يقول سواء وجد الكتاب أو لم يوجد ، وإن جوزوه عليه لم يثقوا بذلك الكتاب لتجويزهم أنه