تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
والسلام ، كان يحب أن يصيب مالاً لينفقه في سبيلك ، فزويت ذلك عنه نظراً . ثم إن أبا بكر كان يحب ذلك ، اللهم لا يكن ذلك مكراً منك بعمر . ثم تلا : * ( أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين ) * الوجه الثاني : وهو أنه سبحانه إنما أعطاهم هذه النعم ليكونوا فارغي البال ، متمكنين من الاشتغال بكلف الحق ، فإذا أعرضوا عن الحق والحالة هذه ، كان لزوم الحجة عليهم أقوى ، فلذلك قال : * ( بل لا يشعرون ) * . قوله تعالى * ( إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِايَاتِ رَبَّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِى الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ) * . إعلم أنه تعالى لما ذم من تقدم ذكره بقوله : * ( أيحسبون أن ما نمدهم به من مال وبنين ، نسارع لهم في الخيرات ) * ثم قال : * ( بل لا يشعرون ) * بين بعده صفات من يسارع في الخيرات ويشعر بذلك وهي أربعة : الصفة الأولى : قوله : * ( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون ) * والإشفاق يتضمن الخشية مع زيادة رقة وضعف ، فمنهم من قال : جمع بينهما للتأكيد ، ومنهم من حمل الخشية على العذاب ، والمعنى الذين هم من عذاب ربهم مشفقون ، وهو قول الكلبي ومقاتل ، ومنهم من حمل الإشفاق على أثره وهو الدوام في الطاعة ، والمعنى الذين هم من خشية ربهم دائمون في طاعته ، جادون في طلب مرضاته . والتحقيق أن من بلغ في الخشية إلى حد الإشفاق وهو كمال الخشية ، كان في نهاية الخوف من سخط الله عاجلاً ، ومن عقابه آجلاً ، فكان في نهاية الاحتراز عن المعاصي . الصفة الثانية : قوله : * ( والذين هم بآيات ربهم يؤمنون ) * واعلم أن آيات الله تعالى هي المخلوقات الدالة على وجوده ، والإيمان بها هو التصديق بها ، والتصديق بها إن كان بوجودها فذلك معلوم بالضرورة ، وصاحب هذا التصديق لا يستحق المدح ، وإن كان بكونها آيات ودلائل على وجود الصانع فذلك مما لا يتوصل إليه إلا بالنظر والفكر ، وصاحبه لا بد وأن يصير عارفاً