إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ( 79 )
والابصار الأفئدة لعلكم تشكرون ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله
إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون )
اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى مثل الكفار بالأبكم العاجز ، ومثل نفسه بالذي يأمر
بالعدل ، وهو على صراط مستقيم ، ومعلوم أن يمتنع أن يكون آمرا بالعدل ، وأن يكون على صراط
مستقيم إلا إذا كان كاملا في العلم والقدرة ، ذكر في هذه الآية بيان كونه كاملا في العلم والقدرة ، أما
بيان كمال العلم فهو قوله ( ولله غيب السماوات والأرض ) والمعنى : علم الله غيب السماوات والأرض
وأيضا فقوله ( ولله غيب السماوات والأرض ) يفيد الحصر معناه : أن العلم بهذه الغيوب ليس إلا لله
وأما بيان كمال القدرة فقوله ( وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ) والساعة هي الوقت
الذي تقوم فيه القيامة سميت ساعة لأنها تفجأ الانسان في ساعة فيموت الخلق بصيحة واحدة ،
وقوله ( إلا كلمح البصر ) اللمح النظر بسرعة يقال لمحه ببصره لمحا ولمحانا ، والمعنى : ما أمر قيام
القيامة في السرعة إلا كطرف العين ، والمراد منه تقرير كمال القدرة وقوله ( أمر هو أقرب ) معناه
أن لمح البصر عبارة عن انتقال الجسم المسمى بالطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها ، ولا شك أن الحدقة
مؤلفة من أجزاء لا تتجزأ ، فلمح البصر عبارة عن المرور على جملة تلك الأجزاء التي منها تألف سطح
الحدقة ، ولا شك أن تلك الأجزاء كثيرة والزمان الذي يحصل فيه لمح البصر مركب من آنات متعاقبة ،
والله تعالى قادر على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآنات فلهذا قال ( أو هو أقرب ) إلا أنه لما كان أسرع
الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا هو لمح البصر لا جرم ذكره . ثم قال ( أو هو أقرب ) تنبيها على
ما ذكرناه ، ولا شبهة في أنه ليس المراد طريقة الشك ، بل المراد : بل هو أقرب ، وقال الزجاج : المراد به
الابهام عن المخاطبين أنه تعالى يأتي بالساعة إما بقدر لمح البصر أو بما هو أسرع . قال القاضي : هذا
لا يصح ، لان إقامة الساعة ليست حال تكليف حتى يقال إنه تعالى يأتي بها في زمان ، بل الواجب أن
يخلقها دفعة واحدة في وقت واحد ، ويفارق ما ذكرناه في ابتداء خلق السماوات والأرض
لان تلك الحال حال تكليف ، فلم يمتنع أن يخلقهما كذلك لما فيه من مصلحة الملائكة .
واعلم أن هذا الاعتراض إنما يستقيم على مذهب القاضي ، أما على قولنا في أنه تعالى يفعل
ما يشاء ويحكم ما يريد فليس له قوة والله أعلم ، ثم إنه تعالى عاد إلى الدلائل الدالة على وجود الصانع
المختار فقال ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) وفيه مسائل :
تفسير الرازي — صفحة 88
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٨٨