المسألة الثالثة : في قوله : * ( أم من لا يهدي ) * ست قراءات : الأول : قرأ ابن كثير وابن عامر وورش عن نافع * ( يهدي ) * بفتح الياء والهاء وتشديد الدال ، وهو اختيار أبي عبيدة وأبي حاتم ، لأن أصله يهتدي أدغمت التاء في الدال ونقلت فتحة التاء المدغمة إلى الهاء . الثانية : قرأ نافع ساكنة الهاء مشددة الدال أدغمت التاء في الدال وتركت الهاء على حالها ، فجمع في قراءته بين ساكنين كما جمعوا في * ( يخصمون ) * ( يس : 49 ) قال علي بن عيسى وهو غلط على نافع . الثالثة : قرأ أبو عمرو بالإشارة إلى فتحة الهاء من غير إشباع فهو بين الفتح والجزم مختلسة على أصل مذهبه اختياراً للتخفيف ، وذكر علي بن عيسى أنه الصحيح من قراءة نافع . الرابعة : قرأ عاصم بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال فراراً من التقاء الساكنين ، والجزم يحرك بالكسر . الخامسة : قرأ حماد ويحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم بكسر الياء والهاء أتبع الكسرة للكسرة . وقيل : هو لغة من قرأ * ( نستعين ونعبد ) * السادسة : قرأ حمزة والكسائي * ( يهدي ) * ساكنة الهاء وبتخفيف الدال على معنى يهتدي والعرب تقول : يهدي ، بمعنى يهتدي يقال : هديته فهدى أي اهتدى .
المسألة الرابعة : في لفظ الآية إشكال ، وهو أن المراد من الشركاء في هذه الآية الأصنام وأنها جمادات لا تقبل الهداية ، فقوله : * ( أم من لا يهدي إلا أن يهدي ) * لا يليق بها .
والجواب من وجوه : الأول : لا يبعد أن يكون المراد من قوله : * ( قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده ) * هو الأصنام . والمراد من قوله : * ( قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق ) * رؤساء الكفر والضلالة والدعاة إليها . والدليل عليه قوله سبحانه : * ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) * إلى قوله : * ( لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون ) * ( التوبة : 31 ) والمراد أن الله سبحانه وتعالى هدى الخلق إلى الدين الحق بواسطة ما أظهر من الدلائل العقلية والنقلية . وأما هؤلاء الدعاة والرؤساء فإنهم لا يقدرون على أن يهدوا غيرهم إلا إذا هداهم الله تعالى ، فكان التمسك بدين الله تعالى أولى من قبول قول هؤلاء الجهال .
الوجه الثاني : في الجواب أن يقال : إن القوم لما اتخذوها آلهة ، لا جرم عبر عنها كما يعبر عمن يعلم ويعقل ، ألا ترى أنه تعالى قال : * ( إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم ) * ( الأعراف : 194 ) مع أنها جمادات وقال : * ( إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ) * ( فاطر : 14 ) فأجرى اللفظ على الأوثان على حسب ما يجري على من يعقل ويعلم فكذا ههنا وصفهم الله تعالى بصفة من يعقل ، وإن لم يكن الأمر كذلك ، الثالث : أنا نحمل ذلك على التقدير ، يعني أنها لو كانت بحيث يمكنها أن تهدي ، فإنها لا تهدي غيرها إلا بعد أن يهديها غيرها ، وإذا حملنا الكلام على هذا التقدير فقد زال السؤال . الرابع : أن البنية عندنا ليست شرطاً
تفسير الرازي — صفحة 91
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٩١