يعني المرأة ، وقال : * ( وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى ) * ( النجم : 45 ) فثبت أن الواحد قد يقال له : زوج ومما يدل على ذلك قوله تعالى : * ( ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ) * ( الأنعام : 143 ) .
إذا عرفت هذا فنقول : الزوجان عبارة عن كل شيئين يكون أحدهما ذكراً والآخر أنثى والتقدير كل شيئين هما كذلك فاحمل منهما في السفينة اثنين واحد ذكر والآخر أنثى ، ولذلك قرأ حفص * ( من كل ) * بالتنوين وأرادوا حمل من كل شيء زوجين اثنين الذكر زوج والأنثى زوج لا يقال عليه إن الزوجين لا يكونان إلا اثنين فما الفائدة في قوله : * ( زوجين اثنين ) * لأنا نقول هذا على مثال قوله : * ( لا تتخذوا إلهين اثنين ) * ( النحل : 51 ) وقوله : * ( نفخة واحدة ) * ( الحاقة : 13 ) وأما على القراءة المشهورة ، فهذا السؤال غير وارد واختلفوا في أنه هل دخل في قوله : * ( زوجين اثنين ) * غير الحيوان أم لا ؟ فنقول : أما الحيوان فداخل لأن قوله : * ( من كل زوجين اثنين ) * يدخل فيه كل الحيوانات ، وأما النبات فاللفظ لا يدل عليه ، إلا أنه بحسب قرينة الحال لا يبعد بسبب أن الناس محتاجون إلى النبات بجميع أقسامه ، وجاء في الروايات عن ابن مسعود رضي الله عنهما أنه قال : لم يستطع نوح عليه السلام أن يحمل الأسد حتى ألقيت عليه الحمى وذلك أن نوحاً عليه السلام قال : يا رب فمن أين أطعم الأسد إذا حملته قال تعالى : " فسوف أشغله عن الطعام " فسلط الله تعالى عليه الحمى وأمثال هذه الكلمات الأولى تركها ، فإن حاجة الفيل إلى الطعام أكثر وليس به حمى . الثاني : من الأشياء التي أمر الله نوحاً عليه السلام بحملها في السفينة .
قوله تعالى : * ( وأهلك إلا من سبق عليه القول ) * قالوا : كانوا سبعة نوح عليه السلام وثلاثة أبناء له وهم سام وحام ويافث ، ولكل واحد منهم زوجة ، وقيل أيضاً كانوا ثمانية ، هؤلاء وزوجة نوح عليه السلام .
وأما قوله : * ( إلا من سبق عليه القول ) * فالمراد ابنه وامرأته وكانا كافرين ، حكم الله تعالى عليهم بالهلاك .
فإن قيل : الإنسان أشرف من جميع الحيوانات فما السبب أنه وقع الابتداء بذكر الحيوانات ؟
قلنا : الإنسان عاقل وهو لعقله كالمضطر إلى دفع أسباب الهلاك عن نفسه ، فلا حاجة فيه إلى المبالغة في الترغيب ، بخلاف السعي في تخليص سائر الحيوانات ، فلهذا السبب وقع الابتداء به .
واعلم أن أصحابنا احتجوا بقوله : * ( إلا من سبق عليه القول ) * في إثبات القضاء اللازم والقدر الواجب ، قالوا : لأن قوله : * ( سبق عليه القول ) * مشعر بأن كل من سبق عليه القول فإنه لا يتغير عن حاله وهو كقوله عليه الصلاة والسلام : " السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه " .
تفسير الرازي — صفحة 227
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢٢٧