تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ) * . واعلم أنه تعالى لما أثبت بالدليل المتقدم كونه عالماً بالمعلومات ، أثبت بهذا الدليل كونه تعالى قادراً على كل المقدورات وفي الحقيقة فكل واحد من هذين الدليلين يدل على كمال علم الله وعلى كمال قدرته . واعلم أن قوله تعالى : * ( وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ) * قد مضى تفسيره في سورة يونس على سبيل الاستقصاء . بقي ههنا أن نذكر * ( وكان عرشه على الماء ) * قال كعب خلق الله تعالى ياقوتة خضراء ، ثم نظر إليها بالهيبة فصارت ماء يرتعد ، ثم خلق الريح فجعل الماء على متنها ثم وضع العرش على الماء ، قال أبو بكر الأصم : معنى قوله : * ( وكان عرشه على الماء ) * كقولهم : السماء على الأرض . وليس ذلك على سبيل كون أحدهما ملتصقاً بالآخر وكيف كانت الواقعة فذلك يدل على أن العرش والماء كانا قبل السماوات والأرض ، وقالت المعتزلة : في الآية دلالة على وجود الملائكة قبل خلقهما ، لأنه لا يجوز أن يخلق ذلك ولا أحد ينتفع بالعرض والماء ، لأنه تعالى لما خلقهما فإما أن يكون قد خلقهما لمنفعة أو لا لمنفعة والثاني عبث ، فبقي الأول وهو أنه خلقهما لمنفعة ، وتلك المنفعة إما أن تكون عائدة إلى الله وهو محال لكونه متعالياً عن النفع والضرر أو إلى الغير فوجب أن يكون ذلك الغير حياً ، لأن غير الحي لا ينتفع . وكل من قال بذلك قال ذلك الحي كان من جنس الملائكة ، وأما أبو مسلم الأصفهاني فقال معنى قوله : * ( وكان عرشه على الماء ) * أي بناؤه السماوات كان على الماء ، وقد مضى تفسير ذلك في سورة يونس ، وبين أنه تعالى إذا بنى السماوات على الماء كانت أبدع وأعجب ، فإن البناء الضعيف إذا لم يؤسس على أرض صلبة لم يثبت ، فكيف بهذا الأمر العظيم إذا بسط على الماء ؟ وههنا سؤالات : السؤال الأول : ما الفائدة في ذكر أن عرشه كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض ؟ والجواب : فيه دلالة على كمال القدرة من وجوه : الأول : أن العرش كونه مع أعظم من السماوات والأرض كان على الماء فلولا أنه تعالى قادر على إمساك الثقيل بغير عمد لما صح ذلك ، والثاني : أنه تعالى أمسك الماء لا على قرار وإلا لزم أن يكون أقسام العالم غير متناهية ، وذلك يدل على ما ذكرناه . والثالث : أن العرش الذي هو أعظم المخلوقات قد أمسكه الله تعالى فوق سبع
تفسير الرازي — صفحة 187 | فخر الدين الرازي