تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
وإن عطف على المحل ، وجب كونه مرفوعاً ، ونظيره قوله ما أتاني من أحد عاقل وعاقل ، وكذا قوله : * ( مالكم من إله غيره ) * ( الأعراف : 59 ) وغيره وقال الشاعر : فلسنا بالجبال ولا الحديدا هذا ما ذكره النحويون ، قال صاحب " الكشاف " : لو صح هذا العطف لصار تقدير هذه الآية وما يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب : وحينئذ يلزم أن يكون الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله تعالى وأنه باطل . وأجاب بعض المحققين عنه بوجهين : الوجه الأول : أنا بينا أن العزوب عبارة عن مطلق البعد . وإذا ثبت هذا فنقول : الأشياء المخلوقة على قسمين : قسم أوجده الله تعالى ابتداء من غير واسطة كالملائكة والسماوات والأرض ، وقسم آخر أوجده الله بواسطة القسم الأول ، مثل : الحوادث الحادثة في عالم الكون والفساد ، ولا شك أن هذا القسم الثاني قد يتباعد في سلسلة العلية والمعلولية عن مرتبة وجود واجب الوجود فقوله : * ( وما يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) * أي لا يبعد عن مرتبة وجوده مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين وهو كتاب كتبه الله تعالى وأثبت صور تلك المعلومات فيه ، ومتى كان الأمر كذلك فقد كان عالماً بها محيطاً بأحوالها ، والغرض منه الرد على من يقول : إنه تعالى غير عالم بالجزئيات ، وهو المراد من قوله : * ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) * ( الجاثية : 29 ) . والوجه الثاني : في الجواب أن نجعل كلمة * ( إلا ) * في قوله : * ( إلا في كتاب مبين ) * استثناء منقطعاً لكن بمعنى هو في كتاب مبين ، وذكر أبو علي الجرجاني صاحب " النظم " عنه جواباً آخر فقال : قوله : * ( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ) * ههنا تم الكلام وانقطع ثم وقع الابتداء بكلام آخر ، وهو قوله : * ( إلا في كتاب مبين ) * أي وهو أيضاً في كتاب مبين . قال : والعرب تضع " إلا " موضع " واو النسق " كثيراً على معنى الابتداء ، كقوله تعالى : * ( لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم ) * ( النمل : 10 ) يعني ومن ظلم . وقوله : * ( لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا ) * ( البقرة : 150 ) يعني والذين ظلموا ، وهذا الوجه في غاية التعسف . وأجاب صاحب " الكشاف " : بوجه رابع فقال : الإشكال إنما جاء إذا عطفنا قوله : * ( ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ) * على قوله : * ( من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ) * إما بحسب الظاهر أو بحسب المحل ، لكنا لا نقول ذلك ، بل نقول : الوجه في القراءة بالنصب في قوله : * ( ولا أصغر من ذلك ) * الحمل
تفسير الرازي — صفحة 124 | فخر الدين الرازي