تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
وشهادة الله تعالى عبارة عن علمه ، فيلزم منه أن يقال إنه تعالى ما علم الأشياء إلا عند وجودها وذلك باطل . قلنا : هذا السؤال بناء على أن شهادة الله تعالى عبادة عن علمه ، وهذا ممنوع ، فإن الشهادة لا تكون إلا عند وجود المشهود عليه ، وأما العلم ، فلا يمتنع تقدمه على الشيء ، والدليل عليه أن الرسول عليه السلام ، لو أخبرنا عن زيد أنه يأكل غداً كنا من قبل حصول تلك الحالة عالمين بها ولا نوصف بكوننا شاهدين لها . واعلم أن حاصل هذه الكلمات أنه لا يخرج عن علم الله شيء ، ثم إنه تعالى أكد هذا الكلام زيادة تأكيد ، فقال : * ( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : أصل العزوب من البعد . يقال : كلأ عازب إذا كان بعيد المطلب ، وعزب الرجل بإبله إذا أرسلها إلى موضع بعيد من المنزل ، والرجل سمي عزباً لبعده عن الأهل ، وعزب الشيء عن علمي إذا بعد . المسألة الثانية : قرأ الكسائي * ( وما يعزب ) * بكسر الزاي ، والباقون بالضم ، وفيه لغتان : عزب يعزب ، وعزب يعزب . المسألة الثالثة : قوله : * ( من مثقال ذرة ) * أي وزن ذرة ، ومثقال الشيء ما يساويه في الثقل ، والمعنى : ما يساوي ذرة والذر صغار النمل واحدها ذرة ، وهي تكون خفيفة الوزن جداً ، وقوله : * ( في الأرض ولا في السماء ) * فالمعنى ظاهر . فإن قيل : لم قدم الله ذكر الأرض ههنا على ذكر السماء مع أنه تعالى قال في سورة سبأ : * ( عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ) * ( سبأ : 3 ) . قلنا : حق السماء أن تقدم على الأرض إلا أنه تعالى لما ذكر في هذه الآية شهادته على أحوال أهل الأرض وأعمالهم ، ثم وصل ذلك قوله لا يعزب عنه ، ناسب أن تقدم الأرض على السماء في هذا الموضع . ثم قال : * ( ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ) * وفيه قراءتان قرأ حمزة * ( ولا أصغر ولا أكبر ) * بالرفع فيهما ، والباقون بالنصب . واعلم أن قوله : * ( وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة ) * تقديره وما يعزب عن ربك مثقال ذرة فلفظ * ( مثقال ) * عند دخول كلمة * ( من ) * عليه مجرور بحسب الظاهر ، ولكنه مرفوع في المعنى ، فالمعطوف عليه إن عطف على الظاهر كان مجروراً إلا أن لفظ أصغر وأكبر غير منصرف ، فكان مفتوحاً