تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
بعضهم لا طريقة الكل ، فإن العالم لا يخلو عن الحق وإطباق الكل على الباطل كالممتنع هذا يوهم أنه كما أن إجماع هذه الأمة على الباطل لا يحصل ، فكذلك سائر الأمم . البحث الثاني : أنه تعالى عبر عن أخذ الأموال بالأكل وهو قوله : * ( ليأكلون ) * والسبب في هذه الاستعارة ، أن المقصود الأعظم من جمع الأموال هو الأكل ، فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده ، أو يقال من أكل شيئاً فقد ضمنه إلى نفسه ومنعه من الوصول إلى غيره ، ومن جمع المال فقد ضم تلك الأموال إلى نفسه ، ومنعها من الوصول إلى غيره ، فلما حصلت المشابهة بين الأكل وبين الأخذ من هذا الوجه ، سمى الأخذ بالأكل . أو يقال : إن من أخذ أموال الناس ، فإذا طولب بردها ، قال أكلتها وما بقيت ، فلا أقدر على ردها ، فلهذا السبب سمى الأخذ بالأكل . البحث الثالث : أنه قال : * ( ليأكلون أموال الناس بالباطل ) * وقد اختلفوا في تفسير هذا الباطل على وجوه : الأول : أنهم كانوا يأخذون الرشا في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع . والثاني : أنهم كانوا يدعون عند الحشرات والعوام منهم ، أنه لا سبيل لأحد إلى الفوز بمرضاة الله تعالى إلا بخدمتهم وطاعتهم ، وبذل الأموال في طلب مرضاتهم والعوام كانوا يغترون بتلك الأكاذيب . الثالث : التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فأولئك الأحبار والرهبان ، كانوا يذكرون في تأويلها وجوهاً فاسدة ، ويحملونها على محامل باطلة ، وكانوا يطيبون قلوب عوامهم بهذا السبب ، ويأخذون الرشوة . والرابع : أنهم كانوا يقررون عند عوامهم أن الدين الحق هو الذي هم عليه . فإذا قرروا ذلك قالوا وتقوية الدين الحق واجب . ثم قالوا : ولا طريق إلى تقويته إلا إذا كان أولئك الفقهاء أقواماً عظماء أصحاب الأموال الكثيرة والجمع العظيم ، فبهذا الطريق يحملون العوام على أن يبذلوا في خدمتهم نفوسهم وأموالهم ، فهذا هو الباطل الذي كانوا به يأكلون أموال الناس ، وهي بأسرها حاضرة في زماننا ، وهو الطريق لأكثر الجهال والمزورين إلى أخذ أموال العوام والحمقى من الخلق . ثم قال : * ( ويصدون عن سبيل الله ) * لأنهم كانوا يقتلون على متابعتهم ويمنعون عن متابعة الأخيار من الخلق والعلماء في الزمان ، وفي زمان محمد عليه الصلاة والسلام كانوا يبالغون في المنع عن متابعته بجميع وجوه المكر والخداع . قال المصنف رضي الله عنه : غاية مطلوب الخلق في الدنيا المال والجاه ، فبين تعالى في صفة الأحبار والرهبان كونهم مشغوفين بهذين الأمرين ، فالمال هو المراد بقوله : * ( ليأكلون أموال الناس بالباطل ) * وأما الجاه فهو المراد بقوله : * ( ويصدون عن سبيل الله ) * فإنهم لو أقروا بأن محمداً على الحق لزمهم