تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
والثاني : أنه على صيغة التصغير وأن الأسماء الأعجمية لا تصغر ، وأما الذين تركوا التنوين فلهم فيه ثلاثة أوجه : الوجه الأول : أنه أعجمي ومعرفة ، فوجب أن لا ينصرف . الوجه الثاني : أن قوله : * ( ابن ) * صفة والخبر محذوف . والتقدير : عزير ابن الله معبودنا ، وطعن عبد القاهر الجرجاني في هذا الوجه في كتاب " دلائل الإعجاز " ، وقال الاسم إذا وصف بصفة ثم أخبر عنه فمن كذبه انصرف التكذيب إلى الخبر ، وصار ذلك الوصف مسلماً . فلما كان المقصود بالإنكار هو قولهم عزير ابن الله معبودنا ، لتوجه الإنكار إلى كونه معبوداً لهم ، وحصل كونه ابناً لله ، ومعلوم أن ذلك كفر ، وهذا الطعن عندي ضعيف . أما قوله إن من أخبر عن ذات موصوفة بصفة بأمر من الأمور وأنكره منكر ، توجه الإنكار إلى الخبر فهذا مسلم . وأما قوله : ويكون ذلك تسليماً لذلك الوصف فهذا ممنوع ، لأنه لا يلزم من كونه مكذباً لذلك الخبر بالتكذيب أن يدل على أن ما سواه لا يكذبه بل يصدقه ، وهذا بناء على دليل الخطاب وهو ضعيف لا سيما في مثل هذا المقام . الوجه الثالث : قال الفراء : نون التنوين ساكنة من عزير ، والباء في قوله : * ( ابن الله ) * ساكنة فحصل ههنا التقاء الساكنين ، فحذف نون التنوين للتخفيف ، وأنشد الفراء : فألفيته غير مستعتب * ولا ذاكر الله إلا قليلاً واعلم أنه لما حكى عنهم بهذه الحكاية قال : * ( ذلك قولهم بأفواههم ) * . ولقائل أن يقول : إن كل قول إنما يقال بالفم . فما معنى تخصيصهم لهذا القول بهذه الصفة . والجواب من وجوه : الأول : أن يراد به قول لا يعضده برهان فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى معتبر لحقه ، والحاصل أنهم قالوا باللسان قولاً ، ولكن لم يحصل عند العقل من ذلك القول أثر ، لأن إثبات الولد للإله مع أنه منزه عن الحاجة والشهوة والمضاجعة والمباضعة قول باطل ، ليس عند العقل منه أثر . ونظيره قوله تعالى : * ( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) * ( آل عمران : 167 ) والثاني : أن الإنسان قد يختار مذهباً إما على سبيل الكناية وإما على سبيل الرمز والتعريض ، فإذا صرح به وذكره بلسانه ، فذلك هو الغاية في اختياره لذلك المذهب ، والنهاية في كونه ذاهباً إليه قائلاً به . والمراد ههنا أنهم يصرحون بهذا المذهب ولا يخفونه البتة . والثالث : أن المراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت هذه المقالة في الأفواه والألسنة ، والمراد منه مبالغتهم في دعوة الخلق إلى المذهب .