تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
يتفقهون في الدين بسبب أنهم لما لازموا خدمة الرسول عليه الصلاة والسلام وشاهدوا الوحي والتنزيل فكلما نزل تكليف وحدث شرع عرفوه وضبطوه ، فإذا رجعت الطائفة النافرة من الغزو إليهم ، فالطائفة المقيمة ينذرونهم ما تعلموه من التكاليف والشرائع ، وبهذا التقرير فلا بد في الآية من إضمار ، والتقدير : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ، وأقامت طائفة ليتفقه المقيمون في الدين ولينذروا قومهم ، يعني النافرين إلى الغزو إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون معاصي الله تعالى عند ذلك التعلم . والاحتمال الثاني : هو أن يقال : التفقه صفة للطائفة النافرة وهذا قول الحسن . ومعنى الآية فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة حتى تصير هذه الطائفة النافرة فقهاء في الدين ، وذلك التفقه المراد منه أنهم يشاهدون ظهور المسلمين على المشركين ، وأن العدد القليل منهم يغلبون العالم من المشركين ، فحينئذ يعلمون أن ذلك بسبب أن الله تعالى خصهم بالنصرة والتأييد وأنه تعالى يريد إعلاء دين محمد عليه السلام وتقوية شريعته ، فإذا رجعوا من ذلك النفر إلى قومهم من الكفار أنذروهم بما شاهدوا من دلائل النصر والفتح والظفر لعلهم يحذرون ، فيتركوا الكفر والشك والنفاق ، فهذا القول أيضاً محتمل ، وطعن القاضي في هذا القول : قال لأن هذا الحس لا يعد فقهاً في الدين ، ويمكن أن يجاب عنه بأنهم إذا شاهدوا أن القوم القليل الذين ليس لهم سلاح ولا زاد يغلبون الجمع العظيم من الكفار الذين كثر زادهم وسلاحهم ، وقويت شوكتهم ، فحينئذ انتبهوا لما هو المقصود وهو أن هذا الأمر من الله تعالى وليس من البشر . إذ لو كان من البشر لما غلب القليل الكثير ، ولما بقي هذا الدين في التزايد والتصاعد كل يوم ، فالتنبه لفهم هذه الدقائق واللطائف لا شك أنه تفقه . وأما الاحتمال الثالث : وهو أن يقال هذه الآية ليست من بقايا أحكام الجهاد ، بل هو حكم مبتدأ مستقل بنفسه ، وتقريره أن يقال إنه تعالى لما بين في هذه السورة أمر الهجرة ، ثم أمر الجهاد ، وهما عبادتان بالسفر ، بين أيضاً عبادة التفقه من جهة الرسول عليه السلام وله تعلق بالسفر . فقال : وما كان المؤمنون لينفروا كافة إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في الدين بل ذلك غير واجب وغير جائز ، وليس حاله كحال الجهاد معه الذي يجب أن يخرج فيه كل من لا عذر له . ثم قال : * ( فلولا نفر من كل فرقة منهم ) * يعني من الفرق الساكنين في البلاد ، طائفة إلى حضرة الرسول ليتفقهوا في ا لدين ، وليعرفوا الحلال والحرام ، ويعودوا إلى أوطانهم ، فينذروا ويحذروا قومهم لكي يرجعوا عن كفرهم ، وعلى هذا التقدير يكون المراد وجوب الخروج إلى حضرة الرسول للتفقه والتعلم .