تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
البحث الثاني : قرأ نافع وابن عامر * ( أفمن أسس بنيانه ) * على فعل ما لم يسم فاعله ، وذلك الفاعل هو الباني والمؤسس ، أما قوله : * ( على تقوى من الله ورضوان ) * أي للخوف من عقاب الله والرغبة في ثوابه ، وذلك لأن الطاعة لا تكون طاعة إلا عند هذه الرهبة والرغبة ، وحاصل الكلام أن الباني لما بنى ذلك البناء لوجه الله تعالى وللرهبة من عقابه ، والرغبة في ثوابه ، كان ذلك البناء أفضل وأكمل من البناء الذي بناه الباني لداعية الكفر بالله والإضرار بعباد الله ، أما قوله : * ( أمن أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم ) * ففيه مباحث : البحث الأول : قرأ ابن عامر وحمزة وأبو بكر عن عاصم * ( جرف ) * ساكنة الراء والباقون بضم الراء وهما لغتان ، جرف وجرف كشغل وشغل وعنق وعنق . البحث الثاني : قال أبو عبيدة : الشفا الشفير ، وشفا الشيء حرفه ، ومنه يقال أشفى على كذا إذا دنا منه ، والجرف هو ما إذا سال السيل وانحرف الوادي ويبقى على طرف السيل طين واه مشرف على السقوط ساعة فساعة . فذلك الشيء هو الجرف ، وقوله : * ( هار ) * قال الليث : الهور مصدر هار الجرف يهور ، إذا انصدع من خلفه ، وهو ثابت بعد في مكانه ، وهو جرف هار هائر ، فإذا سقط فقد انهار وتهور . إذا عرفت هذه الألفاظ فنقول : المعنى أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة قوية محكمة وهي الحق الذي هو تقوى الله ورضوانه خير ، أمن أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء ، وهو الباطل ؟ والنفاق الذي مثله مثل شفا جرف هار من أودية جهنم فلكونه * ( شفا جرف هار ) * كان مشرفاً على السقوط ، ولكونه على طرف جهنم ، كان إذا انهار فإنما ينهار في قعر جهنم ، ولا نرى في العالم مثالاً أكثر مطابقة لأمر المنافقين من هذا المثال ! وحاصل الكلام أن أحد البناءين قصد بانيه ببنائه تقوى الله ورضوانه ، والبناء الثاني قصد بانيه ببنائه المعصية والكفر ، فكان البناء الأول شريفاً واجب الإبقاء ، وكان الثاني خسيساً واجب الهدم . ثم قال تعالى : * ( لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم ) * والمعنى : أن بناء ذلك البنيان صار سبباً لحصول الريبة في قلوبهم ، فجعل نفس ذلك البنيان ريبة لكونه سبباً للريبة . وفي كونه سبباً للريبة وجوه : الأول : أن المنافقين عظم فرحهم ببناء مسجد الضرار ، فلما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتخريبه ثقل ذلك عليهم وازداد بغضهم له وازداد ارتيابهم في نبوته . الثاني : أن الرسول عليه الصلاة والسلام لما أمر بتخريب ذلك المسجد ظنوا أنه إنما أمر بتخريبه لأجل الحسد ، فارتفع أمانهم عنه وعظم خوفهم منه في كل الأوقات ، وصاروا مرتابين في أنه هل يتركهم على ما هم فيه