تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
وههنا قال في صفة المؤمنين : * ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) * فلم ذكر في المنافقين لفظ * ( من ) * وفي المؤمنين لفظ * ( أولياء ) * . قلنا : قوله في صفة المنافقين * ( بعضهم من بعض ) * يدل على أن نفاق الأتباع ، كالأمر المتفرع على نفاق الأسلاف ، والأمر في نفسه كذلك ، لأن نفاق الأتباع وكفرهم حصل بسبب التقليد لأولئك الأكابر ، وبسبب مقتضى الهوى والطبيعة والعادة ، أما الموافقة الحاصلة بين المؤمنين فإنما حصلت لا بسبب الميل والعادة ، بل بسبب المشاركة في الاستدلال والتوفيق والهداية ، فلهذا السبب قال تعالى في المنافقين : * ( بعضهم من بعض ) * وقال في المؤمنين : * ( بعضهم أولياء بعض ) * . واعلم أن الولاية ضد العداوة ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن الأصل في لفظ الولاية القرب ، ويتأكد ذلك بأن ضد الولاية هو العداوة ، ولفظة العداوة مأخوذة من عدا الشيء إذا جاوز عنه . واعلم أنه تعالى لما وصف المؤمنين بكون بعضهم أولياء بعض ، ذكر بعده ما يجري مجرى التفسير والشرح له فقال : * ( يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله ) * فذكر هذه الأمور الخمسة التي بها يتميز المؤمن من المنافق ، فالمنافق على ما وصفه الله تعالى في الآية المتقدمة يأمر بالمنكر ، وينهى عن المعروف ، والمؤمن بالضد منه . والمنافق لا يقوم إلى الصلاة إلا مع نوع من الكسل والمؤمن بالضد منه . والمنافق يبخل بالزكاة وسائر الواجبات كما قال : * ( ويقبضون أيديهم ) * والمؤمنون يؤتون الزكاة ، والمنافق إذا أمره الله ورسوله بالمسارعة إلى الجهاد فإنه يتخلف بنفسه ويثبط غيره كما وصفه الله بذلك ، والمؤمنون بالضد منهم . وهو المراد في هذه الآية بقوله : * ( ويطيعون الله ورسوله ) * ثم لما ذكر صفات المؤمنين بين أنه كما وعد المنافقين نار جهنم فقد وعد المؤمنين الرحمة المستقبلة وهي ثواب الآخرة ، فلذلك قال : * ( أولئك سيرحمهم الله ) * وذكر حرف السين في قوله : * ( سيرحمهم الله ) * للتوكيد والمبالغة كما تؤكد الوعيد في قولك سأنتقم منك يوماً ، يعني أنك لا تفوتني وإن تباطأ ذلك ، ونظيره * ( سيجعل لهم الرحمن وداً ) * ( مريم : 96 ) * ( لسوف يعطيك ربك فترضى ) * ( الضحى : 5 ) * ( سوف يؤتيهم أجورهم ) * ( النساء : 152 ) . ثم قال : * ( إن الله عزيز حكيم ) * وذلك يوجب المبالغة في الترغيب والترهيب لأن العزيز هو من لا يمنع من مراده في عباده من رحمة أو عقوبة ، والحكيم هو المدبر أمر عباده على ما يقتضيه العدل والصواب .