تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
التقلب في الكسب ومعلوم أنه لا حال في الإقلال والبؤس آكد من هذه الحال وأنشدوا للبيد : لما رأى لبد النسور تطايرت * رفع القوادم كالفقير الأعزل قال ابن الأعرابي في هذا البيت الفقير المكسور الفقار ، يضرب مثلاً لكل ضعيف لا يتقلب في الأمور ، ومما يدل على إشعار لفظ الفقير بالشدة العظيمة قوله تعالى : * ( وجوه يومئذ باسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة ) * ( القيامة : 24 ، 25 ) جعل لفظ الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي . الوجه الثالث : ما روي أنه عليه الصلاة والسلام ، كان يتعوذ من الفقر ، وقال : " كاد الفقر أن يكون كفراً " ثم قال : " اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين " فلو كان المسكين أسوأ حالاً من الفقير لتناقض الحديثان ، لأنه تعوذ من الفقر ، ثم سأل حالاً أسوأ منه ، أما إذا قلنا الفقر أشد من المسكنة فلا تناقض البتة . الوجه الرابع : أن كونه مسكيناً ، لا ينافي كونه مالكاً للمال بدليل قوله تعالى : * ( أما السفينة فكانت لمساكين ) * ( الكهف : 79 ) فوصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر تساوي جملة من الدنانير ، ولم نجد في كتاب الله ما يدل على أن الإنسان سمي فقيراً مع أنه يملك شيئاً . فإن قالوا : الدليل عليه قوله تعالى : * ( والله الغني وأنتم الفقراء ) * ( محمد : 38 ) فوصف الكل ، بالفقر مع أنهم يملكون أشياء . قلنا : هذا بالضد أولى لأنه تعالى وصفهم بكونهم فقراء بالنسبة إلى الله تعالى ، فإن أحداً سوى الله تعالى لا يملك البتة شيئاً بالنسبة إلى الله فصح قولنا . الوجه الخامس : قوله تعالى : * ( أو إطعام في يوم ذي مسغبة * يتيماً ذا مقربة * أو مسكيناً ذا متربة ) * ( البلد : 14 - 16 ) والمراد منه المسكين ذي المتربة الفقير الذي ألصق بالتراب من شدة الفقر ، فتقييد المسكين بهذا القيد يدل على أنه قد يحصل مسكين خال عن وصف كونه * ( ذا متربة ) * وإنما يكون كذلك بتقدير أن يملك شيئاً ، فهذا يدل على أن كونه مسكيناً لا ينافي كونه مالكاً لبعض الأشياء . الوجه السادس : قال ابن عباس رضي الله عنهما ، الفقير هو المحتاج الذي لا يجد شيئاً ، قال : وهم أهل الصفة ، صفة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا نحو أربعمائة رجل لا منزل لهم ، فمن كان من المسلمين عنده فضل أتاهم به إذا أمسوا ، والمساكين هم الطوافون الذين يسألون الناس . وجه الاستدلال : أن شدة فقر أهل الصفة معلومة بالتواتر ، فلما فسر ابن عباس الفقراء بهم وفسر المساكين بالطوافين ، ثم ثبت أن أحوال المحتاج الذي لا يسأل أحداً شيئاً أشد من أحوال من يحتاج ، ثم يسأل الناس ويطوف عليهم ، ظهر أن الفقير يجب أن يكون أسوأ حالاً من المسكين .