تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
أما قوله تعالى : * ( ادخلوا في أمم ) * ففيه وجهان : الوجه الأول : التقدير : ادخلوا في النار مع أمم ، وعلى هذا القول ففي الآية إضمار ومجاز أما الإضمار فلأنا أضمرنا فيها قولنا : في النار . وأما المجاز ، فلأنا حملنا كلمة " في " على " مع " لأنا قلنا معنى قوله : * ( في أمم ) * أي مع أمم . والوجه الثاني : أن لا يلتزم الإضمار ولا يلتزم المجاز ، والتقدير : ادخلوا في أمم في النار ، ومعنى الدخول في الأمم ، الدخول فيما بينهم وقوله : * ( قد خلت من قبلكم من الجن والإنس ) * أي تقدم زمانهم زمانكم ، وهذا يشعر بأنه تعالى لا يدخل الكفار بأجمعهم في النار دفعة واحدة ، بل يدخل الفوج بعد الفوج ، فيكون فيهم سابق ومسبوق ، ليصح هذا القول ، ويشاهد الداخل من الأمة في النار من سبقها وقوله : * ( كلما دخلت أمة لعنت أختها ) * والمقصود أن أهل النار يلعن بعضهم بعضاً فيتبرأ بعضهم من بعض ، كما قال تعالى : * ( الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ) * ( الزخرف : 67 ) والمراد بقوله : * ( أختها ) * أي في الدين ، والمعنى : أن المشركين يلعنون المشركين ، وكذلك اليهود ، تلعن اليهود ، والنصارى النصارى ، وكذا القول في المجوس ، والصابئة وسائر أديان الضلالة . وقوله : * ( حتى إذا اداركوا فيها جميعاً ) * أي تداركوا ، بمعنى تلاحقوا ، واجتمعوا في النار ، وأدرك بعضهم بعضاً ، واستقر معه * ( قالت أولاهم لأخراهم ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في تفسير الأولى والأخرى قولان : الأول : قال مقاتل أخراهم يعني آخرهم دخولاً في النار ، لأولاهم دخولاً فيها . والثاني : أخراهم منزلة ، وهم الأتباع والسفلة ، لأولاهم منزلة وهم القادة والرؤساء . المسألة الثانية : " اللام " في قوله : * ( لأخراهم ) * لام أجل ، والمعنى : لأجلهم ولإضلالهم إياهم * ( قالوا ربنا هؤلاء أضلونا ) * ( الأعراف : 38 ) وليس المراد أنهم ذكروا هذا القول لأولاهم ، لأنهم ما خاطبوا أولاهم ، وإنما خاطبوا الله تعالى بهذا الكلام . أما قوله تعالى : * ( ربنا هؤلاء أضلونا ) * فالمعنى : أن الأتباع يقولون إن المتقدمين أضلونا ، واعلم أن هذا الإضلال يقع من المتقدمين للمتأخرين على وجهين : أحدهما : بالدعوة إلى الباطل ، وتزيينه في أعينهم ، والسعي في إخفاء الدلائل المبطلة لتلك الأباطيل . والوجه الثاني : بأن يكون المتأخرون معظمين لأولئك المتقدمين ، فيقلدونهم في تلك الأباطيل والأضاليل التي لفقوها ويتأسون بهم ، فيصير ذلك تشبيهاً بإقدام أولئك المتقدمين على الإضلال .