ولا بد من ذكر فرق بين البابين . والأقرب أن يقال : إن الأرواح الإنسانية أصفى وأقوى من الأرواح البهيمية والطيرية . فالكلمة التي تجري على لسان الإنسان يمكن الاستدلال بها بخلاف طيران الطير ، وحركات البهائم ، فإن أرواحها ضعيفة ، فلا يمكن الاستدلال بها على شيء من الأحوال .
القول الثاني : في تفسير الطائر قال أبو عبيدة : * ( ألا إنما طائرهم عند الله ) * أي حظهم . وهو ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إنما طائرهم ما قضي عليهم وقدر لهم والعرب تقول : أطرت المال وطيرته بين القوم فطار لكل منهم سهمه . أي حصل له ذلك السهم .
واعلم أن على كلا القولين ، المعنى : أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله تعالى وبتقديره * ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) * أن الكل من الله تعالى ، وذلك لأن أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب المحسوسة ويقطعونها عن قضاء الله تعالى وتقديره ، والحق أن الكل من الله ، لأن كل موجود ، فهو إما واجب الوجود لذاته أو ممكن لذاته ، والواجب واحد وما سواه ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذته ، وبهذا الطريق يكون الكل من الله فإسنادها إلى غير الله يكون جهلاً بكمال الله تعالى .
* ( وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ ءَايَاتٍ مّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ ) * .
اعلم أنه تعالى حكى عنهم في الآية الأولى أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله تعالى وقدره ، فحكى عنهم في هذه الآية نوعاً آخر من أنواع الجهالة والضلالة ، وهو أنهم لم يميزوا بين المعجزات وبين السحر ، وجعلوا جملة الآيات مثل انقلاب العصا حية من باب السحر منهم . وقالوا لموسى : إنا لا نقبل شيئاً منها البتة . وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في كلمة * ( مهما ) * قولان : الأول : أن أصلها " ماما " الأولى هي " ما " الجزاء ، والثانية هي التي تزاد توكيداً للجزاء ، كما تزاد في سائر حروف الجزاء ، كقولهم : إما ومما وكيفما قال الله تعالى : * ( فإما تثقفنهم ) * ( الأنفال : 59 ) وهو كقولك : إن تثقفنهم ، ثم أبدلوا من ألف " ما " الأولى " ها " كراهة
تفسير الرازي — صفحة 216
مساهمون: فخر الدين الرازي
ص٢١٦