تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
الوجه الثاني : هب أن تلك الأجزاء الدخانية صعدت إلى الطبقة الهوائية المتحركة بحركة الفلك لكنها لما رجعت ، وجب أن تنزل على الاستقامة ، لأن الأرض جسم ثقيل ، والثقيل إنما يتحرك بالاستقامة والرياح ليست كذلك ، فإنها تتحرك يمنة ويسرة . الوجه الثالث : وهو أن حركة تلك الأجزاء الأرضية النازلة لا تكون حركة قاهرة ، فإن الرياح إذا أحضرت الغبار الكثير ، ثم عاد ذلك الغبار ، ونزل على السطوح لم يحس أحد بنزولها ، وترى هذه الرياح تقلع الأشجاء وتهدم الجبال وتموج البحار . والوجه الرابع : أنه لو كان الأمر على ما قالوه ، لكانت الرياح كلما كانت أشد ، وجب أن يكون حصول الأجزاء الغبارية الأرضية أكثر ، لكنه ليس الأمر كذلك لأن الرياح قد يعظم عصوفها وهبوبها في وجه البحر ، مع أن الحس يشهد أنه ليس في ذلك الهواء المتحرك العاصف شيء من الغبار والكدرة فبطل . ما قالوه ، وبطل بهذا الوجه العلة التي ذكروها في حركة الرياح . قال المنجمون : إن قوى الكواكب هي التي تحرك هذه الرياح وتوجب هبوبها ، وذلك أيضاً بعيد لأن الموجب لهبوب الرياح إن كان طبيعة الكواكب وجب دوام الرياح بدوام تلك الطبيعة ، وإن كان الموجب هو طبيعة الكوكب بشرط حصوله في البرج المعين والدرجة المعينة وجب أن يتحرك هواء كل العالم ، وليس كذلك ، وأيضاً قد بينا أن الأجسام متماثلة باختصاص الكوكب المعين والبرج المعين فالطبيعة التي لأجلها اقتضت ذلك الأثر الخاص ، لا بد وأن تكون بتخصيص الفاعل المختار . فثبت بهذا البرهان الذي ذكرناه أن محرك الرياح هو الله سبحانه وتعالى . وثبت بالدليل العقلي صحة قوله وهو : * ( الذي يرسل الرياح ) * . المسألة الثالثة : قوله : * ( بشراً بين يدي رحمته ) * ( النمل : 63 ) فيه فائدتان : إحداهما : أن قوله : * ( نشراً ) * أي منشرة متفرقة ، فجزء من أجزاء الريح يذهب يمنة ، وجزء آخر يذهب يسرة ، وكذا القول في سائر الأجزاء ، فإن كل واحد منها يذهب إلى جانب آخر فنقول : لا شك أن طبيعة الهواء طبيعة واحدة ونسبة الأفلاك والأنجم والطبائع إلى كل واحد من الأجزاء التي لا تتجزأ من تلك الريح نسبة واحدة ، فاختصاص بعض أجزاء الريح بالذهاب يمنة والجزء الآخر بالذهاب يسرة وجب أن لا يكون ذلك إلا بتخصيص الفاعل المختار . والفائدة الثانية : في الآية أن قوله : * ( بين يدي رحمته ) * أي بين يدي المطر الذي هو رحمته والسبب في حسن هذا المجاز أن اليدين يستعملهما العرب في معنى التقدمة على سبيل المجاز يقال : إن الفتن تحدث بين يدي الساعة ، يريدون قبيلها ، والسبب في حسن هذا المجاز ، أن يدي الإنسان متقدماته