تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
واعلم أنه سبحانه وصف هذه الحركة بالسرعة والشدة ، وذلك هو الحق ، لأن تعاقب الليل والنهار إنما يحصل بحركة الفلك الأعظم ، وتلك الحركة أشد الحركات سرعة ، وأكملها شدة ، حتى أن الباحثين عن أحوال الموجودات . قالوا : الإنسان إذا كان في العدو الشديد الكامل ، فإلى أن يرفع رجله ويضعها يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل ، وإذا كان الأمر كذلك كانت تلك الحركة في غاية الشدة والسرعة ، فلهذا السبب قال تعالى : * ( يطلبه حثيثاً ) * ونظير هذه الآية قوله سبحانه : * ( لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ) * ( يس : 40 ) فشبه ذلك السير وتلك الحركة بالسباحة في الماء ، والمقصود : التنبيه على سرعتها وسهولتها وكمال إيصالها . ثم قال تعالى : * ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر * ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات ) * بالرفع على معنى الابتداء والباقون بالنصب على معنى وجعل الشمس والقمر ، قال الواحدي والنصب هو الوجه لقوله تعالى : * ( واسجدوا لله الذي خلقهن ) * ( فصلت : 37 ) فكما صرح في هذه الآية أنه سخر الشمس والقمر كذلك يجب أن يحمل على أنه خلقها في قوله : * ( إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض . . . . والشمس والقمر والنجوم ) * وهذا النصف على الحال أي خلق هذه الأشياء حال كونها موصوفة بهذه الصفات والآثار والأفعال وحجة ابن عامر قوله تعالى : * ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ) * ( الجاثية : 13 ) ومن جملة ما في السماء الشمس والقمر فلما أخبر أنه تعالى سخرها حسن الأخبار عنها بأنها مسخرة كما أنك إذا قلت ضربت زيداً استقام أن تقول زيد مضروب . المسألة الثانية : في هذه الآية لطائف : فالأولى : أن الشمس لها نوعان من الحركة : أحد النوعين : حركتها بحسب ذاتها وهي إنما تتم في سنة كاملة وبسبب هذه الحركة تحصل السنة . والنوع الثاني : حركتها بسبب حركة الفلك الأعظم وهذه الحركة تتم في اليوم بليلة . إذا عرفت هذا فنقول : الليل والنهار لا يحصل بسبب حركة الشمس وإنما يحصل بسبب حركة السماء الأقصى التي يقال لها العرش فهذا السبب لما ذكر العرش بقوله : * ( ثم استوى على العرش ) * ربط به قوله : * ( يغشي الليل النهار ) * تنبيهاً على أن سبب حصول الليل والنهار هو حركة الفلك الأقصى لا حركة الشمس والقمر وهذه دقيقة عجيبة . والثانية : أنه تعالى لما شرح كيفية تخليق السماوات . قال : * ( فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها ) * ( فصلت : 12 ) فدلت تلك الآية على أنه سبحانه خص كل ذلك بلطيفة نورانية ربانية من عالم الأمر .
تفسير الرازي — صفحة 118 | فخر الدين الرازي