تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
المخالفة ، فعلى هذا التقدير طبيعة البعد والامتداد هي الجوهر القائم بنفسه ، والأمور التي حصلت بها المخالفة أعراض وصفات ، وإذا كانت الذوات متساوية في تمام الماهية فكل ما صح على بعضها وجب أن يصح على البواقي ، فعلى هذا التقدير كل ما صح على جميع الأجسام ، وجب أن يصح على الباري تعالى وبالعكس ، ويلزم منه صحة التفرق والتمزق والنمو والذبول والعفونة والفساد على ذات الله تعالى وكل ذلك محال . وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : ما به المخالفة محل وذات ، وما به المشاركة حال وصفة فهذا محال ، لأن على هذا التقدير تكون طبيعة البعد والامتداد صفة قائمة بمحل ، وذلك المحل إن كان له أيضاً اختصاص بحيز وجهة ، وجب افتقاره إلى محل آخر لا إلى نهاية ، وإن لم يكن كذلك فحينئذ يكون موجوداً مجرداً لا تعلق له بالحيز والجهة والإشارة الحسية البتة ، وطبيعة البعد والامتداد واجبة الاختصاص بالحيز والجهة والإشارة الحسية ، وحلول ما هذا شأنه في ذلك المحل يوجب الجمع بين النقيضين وهو محال . وأما القسم الثالث : وهو أن لا يكون أحدهما حالاً في الآخر ولا محلاً له . فنقول : فعلى هذا التقدير يكون كل واحد منهما متبايناً عن الآخر ، وعلى هذا التقدير فتكون ذات الله تعالى مساوية لسائر الذوات الجسمانية في تمام الماهية ، لأن ما به المخالفة بين ذاته وبين سائر الذوات ليست حالة في هذه الذوات ، ولا محالاً لها بل أمور أجنبية عنها فتكون ذات الله تعالى مساوية لذوات الأجسام في تمام الماهية ، وحينئذ يعود الإلزام المذكور ، فثبت أن القول : بأن ذات الله تعالى مختصة بالحيز والجهة بحيث يمنع من حصول جسم آخر في ذلك الحيز يفضي إلى هذه الأقسام الثلاثة الباطلة فوجب كونه باطلاً . وأما القسم الثاني : وهو أن يقال : إن ذات الله تعالى وإن كانت مختصة بالحيز والجهة ، إلا أنه لا يمنع من حصول جسم آخر في ذلك الحيز والجهة ، فهذا أيضاً محال لأنه يوجب كون ذاته مخالطة سارية في ذات ذلك الجسم الذي يحصل في ذلك الجنب والحيز وذلك بالإجماع محال ، ولأنه لو عقل ذلك فلم لا يعقل حصول الأجسام الكثيرة في الحيز الواحد ؟ فثبت أنه تعالى لو كان حاصلاً في حيز لكان . إما أن يمنع حصول جسم آخر في ذلك الحيز أو لا يمنع ، وثبت فساد القسمين ، فكان القول بحصوله تعالى في الحيز والجهة محالاً باطلاً . البرهان الحادي عشر : على أنه يمتنع حصول ذات الله تعالى في الحيز والجهة هو أن نقول : لو كان مختصاً بحيز وجهة لكان . إما أن يكون بحيث يمكنه أن يتحرك عن تلك الجهة أو لا يمكنه