تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
المسألة الأولى : المراد بالصيد قولان . الأول : أنه الذي توحش سواء كان مأكولاً أو لم يكن ، فعلى هذا المحرم إذا قتل سبعاً لا يؤكل لحمه ضمن ولا يجب به قيمة شاة ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال زفر : يجب بالغاً ما بلغ . والقول الثاني : أن الصيد هو ما يؤكل لحمه ، فعلى هذا لا يجب الضمان البتة في قتل السبع ، وهو قول الشافعي رحمه الله وسلم أبو حنيفة رحمه الله أنه لا يجب الضمان في قتل الفواسق الخمس وفي قتل الذئب حجة الشافعي رحمه الله القرآن والخبر ، أما القرآن فهو أن الذي يحرم أكله ليس بصيد ، فوجب أن لا يضمن ، إنما قلنا إنه ليس بصيد لأن الصيد ما يحل أكله لقوله تعالى بعد هذه الآية * ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة وحرّم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً ) * ( المائدة : 96 ) فهذا يقتضي حل صيد البحر بالكلية ، وحل صيد البر خارج وقت الاحرام ، فثبت أن الصيد ما يحل أكله والسبع لا يحل أكله ، فوجب أن لا يكون صيداً ، وإذا ثبت أنه ليس بصيد وجب أن لا يكون مضموناً ، لأن الأصل عدم الضمان ، تركنا العمل به في ضمان الصيد بحكم هذه الآية ، فبقي فيما ليس بصيد على وفق أوصل ، وأما الخبر فهو الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام : " خمس فواسق لا جناح على المحرم أن يقتلهن في الحل والحرم الغراب والحدأة والحية والعقرب والكلب العقور " وفي رواية أخرى : والسبح الضاري ، والاستدلال به من وجوه : أحدها : أن قوله : والسبع الضاري نص في المسألة ، وثانيها : أنه عليه السلام وصفها بكونها فواسق ثم حكى بحل قتلها ، والحكم المذكور عقيب الوصف المناسب مشعر بكون الحكم معللاً بذلك الوصف ، وهذا يدل على أن كونها فواسق علة لحل قتلها ، ولا معنى لكونها فواسق إلا كونها مؤذية ، وصفة الايذاء في السباع أقوى فوجب جوا " قتلها ، وثالثها : أن الشارع خصها بإباحة القتل ، وإنما خصها بهذا الحكم لاختصاصها بمزيد الايذاء ، وصفة الايذاء في السباع أتم ، فوجب القول بجواز قتلها . وإذا ثبت جواز قتلها وجب أن لا تكون مضمونة لما بيناه في الدليل الأول . حجة أبي حنيفة رحمه الله : أن السبع صيد فيدخل تحت قوله * ( لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ) * وإنما قلنا إنه صيد لقول الشاعر : ليث تربى ربية فاصطيدا ولقول علي عليه السلام : فصيد الملوك أرانب وثعالب * وإذا ركبت فصيدي الأبطال والجواب : قد بينا بدلالة الآية أن ما يحرم أكله ليس بصيد ، وذلك لا يعارضه شعر مجهول ، وأما شعر علي عليه السلام فغير وارد ، لأن عندنا الثعلب حلال .
تفسير الرازي — صفحة 87 | فخر الدين الرازي