تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الرازي — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
قوله تعالى * ( لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَءَامَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) * . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : روي أنه لما نزلت آية تحريم الخمر قالت الصحابة : إن إخواننا كانوا قد شربوا الخمر يوم أحد ثم قتلوا فكيف حالهم ، فنزلت هذه الآية والمعنى : لا إثم عليهم في ذلك لأنهم شربوها حال ما كانت محللة ، وهذه الآية مشابهة لقوله تعالى في نسخ القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة * ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) * ( البقرة : 143 ) أي إنكم حين استقبلتم بيت المقدس فقد استقبلتموه بأمري فلا أضيع ذلك ، كما قال : * ( فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى ) * ( آل عمران : 195 ) . المسألة الثانية : الطعام في الأغلب من اللغة خلاف الشراب ، فكذلك يجب أن يكون الطعم خلاف الشرب ، إلا أن اسم الطعام قد يقع على المشروبات ، كما قال تعالى : * ( ومن لم يطعمه فإنه مني ) * ( البقرة : 249 ) وعلى هذا يجوز أن يكون قوله * ( جناح فيما طعموا ) * أي شربوا الخمر ، ويجوز أن يكون معنى الطعم راجعاً إلى التلذذ بما يؤكل ويشرب ، وقد تقول العرب : تطعم تطعم أي ذق حتى تشتهي وإذا كان معنى الكلمة راجعاً إلى الذوق صلح للمأكول والمشروب معاً . المسألة الثالثة : زعم بعض الجهال أنه تعالى لما بيّن في الخمر أنها محرّمة عندما تكون موقعة للعداوة والبغضاء وصادة عن ذكر الله وعن الصلاة ، بيّن في هذه الآية أنه لا جناح على من طعمها إذا لم يحصل معه شيء من تلك المفاسد ، بل حصل معه أنواع المصالح من الطاعة والتقوى ، والاحسان إلى الخلق . قالوا : ولا يمكن حمله على أحوال من شرب الخمر قبل نزول آية التحريم ، لأنه لو كان المراد ذلك لقال : ما كان جناح على الذين طعموا ، كما ذكر مثل ذلك في آية تحويل القبلة فقال * ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) * ( البقرة : 143 ) ولكنه لم يقل ذلك ، بل قال : * ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ) * إلى قوله * ( إذا ما اتقوا وآمنوا ) * ولا شك أن إذا للمستقبل لا للماضي .
تفسير الرازي — صفحة 83 | فخر الدين الرازي